سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٩٤الأيبات ضعيفة من حيث المعاني التي تضمّنّتها، وصياغتها كانت بسيطة، أي ليس فيها ما يميّزها، غيرأنّ ما يثير الاهتمام، ويلفت النّظر فيها هو هذا المركب الصّعب الذي ركبه الشّاعر في اختيار رويٍّ، الكتابةُ عليه نادرة، إذ يحتاج الشّاعر في هذا المرْكَبِ إلى قاموس لغوي كبير، وإلى براعة في اصطياد الكلمات التي تنسجم مع السّياق. هذا ما صنعه ابن دريد في هذه اللّوحة، التي جاءت لغتها منسابة، وأسلوبها سلسًا، لينفث ما في صدره من حسرات على وفاة وليّ نعمته عمّه، الوالد والأستاذ ة والمربّي … قال الدّكتور أحمد درويش معلّقًا على هذه الأبيات: "والأبيات سلسة رغم صعوبة القافية، ويبدو أنّ ابن دريد كان مولعًا بإظهار مقدرته الشّعرية من خلال القوافي على نحو خاص، وهو منزع كان سائدًا في العصر عند كبار الشّعراء. ولا ننسى أنّنا قريبون من عصر اللّزوميات لأبي العلاء المعرّي، وهو النّمط الذي يبلغ فيه الصّراع مداه بين هاجس القافية وطبيعية الأداء … "(1)
14 – من إبداعات ابن دريد ما يسمّى بالمثلّثات والمربّعات، التي يظهر فيها التّفنّن في الكتابة، والتنوّع في التّعبير، والتجدّد في التّشكيل الموسيقي بخاصّة. وفيها يظهر ما يسمّى بـ (الشّعر الهندسي)، كما تبرز في هذا النّوع من الشّعر الثّقافة البصرية، التي تعدّ تطوّرًا في كتابة القصيدة العربية، لابن دريد دور الرّيادة فيه في نظر بعض الدّارسين.
المربّعة هي: عبارة عن قصيدة مكوّنة من عدّة مقاطع، كلّ مقطع يتكوّن من أربعة أبيات، أي ثمانية أشطر، وكلّ مقطع يعتمد على قافية موحّدة في آخر الأبيات، وفي الوقت نفسه يلتزم المقطع بتكرير حرف القافية الذي اختاره في أوائل الأبيات، فيما أسماه الدّكتور أحمد درويش (القافية المعكوسة).
وإذا انتقلنا إلى (المثلّثة) فإنّنا نجدها " ذلك الفنّ الذي يقوم على بناء القصيدة من مجموعة من مقاطع، يتشكّل كلّ واحد منها من ثلاثة أشطر، تقوم على قافية موحّدة فيما بينها، ويستقلّ كلّ مقطع من حيث القافية عمّا يسبقه وما يلحقه. والدّكتور إبراهيم أنيس - وهو عالم عروض متبحّر - يعلن أنّه لم يجد في الشّعر العربي قصيدة، تسير على نظام المثّلثات "(2) ويقول أحمد درويش: " لَمْ تَكُنْ (المربّعة) هي الفنّ الهندسي الوحيد الذي تمتّعت به قصائد ابن دريد، لكنّه عرف فنونًا أخرى، أهداها للقصيدة العربية في عصرها الذّهبي، مثل فنّ (المثلّثة) … ويبدو أنّ هذا الفنّ بدوره أيضًا ليس شائعًا في التّراث الشّعري، وانّ ما شاعَ قريبًا منه كانَ لونًا من تثليث القافية في (بيت الموشّحة) السّداسي … "(3)
يضيف الدّكتور: " والمربّعة التي يحتفظ بها ديوان ابن دريد عمل فنّي هندسي في الشّعر العربي القديم، ولم يقع لأحد غير ابن دريد على هذا النّمط الموسيقي، بل إنّ كثيرًا من علماء العروض المعاصرين لم يصلوا إلى هذا الفنّ، ولم يصنّفوه بين الإمكانيات التي عرفها الشّعر العربي لتنويع القافية … "(4)
يعني هذا أنّ ابن دريد كان مجدّدًا، وكان متميّزًا في صناعة الشّعر، في عصر المنافسة الأدبية الكبيرة، هذا ما يعطيه العَلَمِية والمكانة المعتبرة في سياق التّطوّر الحضاري.
هذا نموذج للمربّعة:
تَمَنَّيتُ المَنِيَّةَ يَوْمَ قَالُوا … غَدًا مَجْمُوعُ شَمْلِكُمُ شَتيتُ
تَعِيشُ صَبَابَتِي، وَيَمُوتُ صَبْرِي … وَنَفْسِي تَعِيشُ ولا تَمُوتُ
تَرَاءَى لِي الأَسَى فَصَدَفْتُ عَنْهُ … فَقَالَ إِلَيْكَ إِنَّكَ لا تَفُوتُ
تَكَلَّمَ مَاءُ عَيْنِي عَنْ فُؤَادِي … وَقَلْبِي مِنْ سجيَّتِهٍ السُّكوتُ(5)
هذا نموذج للمثلّثة: … حِمَى مُؤَاخَاةِ اللّئيمٍ فِعْلُهُ
مَا طَابَ فَرْعٌ لاَ يَطيبُ أَصْلُهُ
وَكُلُّ مَنْ وَافَى لَئِيمًا مِثْلُهُ
مَنْ أَمِنَ الدّهْرَ أُتي مٍنِ مَأْمَنِهْ … لاَ تَسْتَثِرْ ذَا لِبَدٍ مِنْ مَكْمَنِهْ
وَكُلّ شَيْءٍ يُبْتَغَى في مَعْدِنِهْ
لِكُلِّ نَاعٍ ذَاتَ يَوْمٍ نَاعِي … وَإِنَّمَا السَّعْيُ بِقَدْرِ السَّاعِي
قَدْ يهْلِك المَرْعَى عتب الرّاعي(6)
(1) - المرجع السّابق، ص: 75، 76.
(2) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1139، 1140. ينظر أحمد درويش، ابن دريد رائد فنّ القصّة العربية، ص: 85، 86، 88. وابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 78 – 82.
(3) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 80، 81.
(4) - المرجع السّابق، ص: 78.
(5) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجاّد الثّاني، ص: 1139.
(6) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 81.