سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٩٥

هذا النّمط من الشّعر لم يكن معروفًا في الشّعر العربي، وعرفته قريحة ابن دريد،. ما يؤكّد على رغبته في التّطوير والتّجديد، ويسجّل له سبقًا وريادة وصوتًا متميّزًا في الأدب. يقول الدّكتورعماد حسيب محمد: " إنّ الحقيقة القارّة الآن، والتي لا تقبل جدلاً أن ابن دريد تنسب له الرّيادة في كتابة الشّكل الشّعري الجديد على المستوى الموسيقي. وإذا نظرنا المربّعة - من وجهة بصرية – فإنّنا نجد أنّ الأبيات تخضع لنظام التّدوير، وكلّ بيت يرسم دائرة مغلقة، تبدأ وتنتهي بحرف واحد، ثمّ تبدأ الدّائرة الثّانية من نفس الحرف، لتعود إليه مرّة أخرى … "(1)

15 - رغم أنّ ابن دريد كان مقلّدًا لغيره في صوره الشّعرية، وفي شكل القصيدة، إلاّ أنّ تجربته الفنيّة يبدو في بعض مجالاتها التّفرّد والتّميّز في مضمونها وشكلها وصورها؛ إذ أنّها جاءت لتعكس حياته الخاصّة التي درج فيها وتململ وتقلّب، وتنقل معاناته الخاصّة، التي اختار لها الأنماط والموضوعات التي تستجيب لما يرغب الوصول إليه. ثمّ لتترجم عن ثقافته المتنوّعة، وعن رغبته وطموحه في التّطوير والتّجديد … قال الدّكتور عمر أحمد صديق: " أعان ابن دريد في كتابة الشّعر امتلاكه لأدوات التّعبير المختلفة، من لغة وأسلوب وبلاغة ونحو، وهو العالم الشّاعر، والشّاعر العالم، وقلّما نجد مثله "(2)

يرى الدّكتور زكيّ مبارك أنّ شخصية ابن دريد تتوفّر على جانب الإبداع الفنّي مع ما سحّلته من تفوّق في الميدان اللّغوي، بذلك تكون قد جمعت بين الأدب واللّغة في الإبداع: " تلك الشّخصية القوية التي حسبها النّاس لا تحسن غير رواية اللّغة والشّعر وتصريف الأفعال، وسترى ابن دريد، بالرّغم من شغله باللّغة والرواية، وكلفه بالبحوث الجافّة، التي تختم على القلب، كان رجلاً دقيق الحسّ، عذب الرّوح، ليس يكبر عليه أن يكون فنّانًا بارعًا يدين له أمثال بديع الزّمان الهمداني، ممّن طبعوا على جودة الفهم، وحسن البيان "(3)

من باب الموضوعية نعرض رأيًا مخالفًا لإجماع من درس شعر ابن دريد، الذي حكم له بأنّه شاعر متميّز، وله مكانته في مجال الإبداع والإمتاع. هذا رأيُ الدّكتور

(1) - المرجع نفسه. ينظر ديوان ابن دريد، تحقيق ودراسة عمر، ابن سالم، ص: 41، 42.

(2) - الدّكتور عمر أحمد صديق، " ثنائية النّور والظّلام في شعر ابن دريد "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء " المجلّد الثّاني، ص: 1119. لمزيد المعرفة عن ريادة ابن دريد للمجالات الشّعرية، وسبقه إلى ابتكار طرق التّعبير والتّصوير، وما يسجّل تفوّقه وتميّزه … ينظر دراسة الدّكتور عماد حسيب محمد، المرجع السّابق، ص: 1123 – 1158.

(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 166. ينظر النّثر الفنّي … ج1، ص: 227.

٨٧ / ١٥٣