سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٩٧عودة أبو عودة(1). تساءل هل ابن دريد شاعر؟ ثمّ انطلق من أطروحة: إنّ ابن دريد ناظم شعر وما هو بشاعر. وراح يسوق الدّليل تلو الدّليل على نفي الشّاعرية عنه. يمكن تلخيص هذا الرّأي في النّقط الآتية:
1 – عاش ابن دريد في عصر ازدهار الشّعر العربي، أين برز مجموعة كبيرة من الشّعراء الكبار، الذين سار شعرهم سير الأمثال، وتخطّى حدود المكان، وجرت أشعارهم على ألسنة الدّارسين والباحثين والمؤلّفين والمنشدين … يحفظونه ويردّدونه، ويتمثّلون به .. ولا نجد مثل هذا لشعر ابن دريد: " فما بال شعر ابن دريد لا يكاد يسمع به أحد من النّاس، إلاّ إذا كان شاهدًا على فكرة علمية، أو دراسة نقدية … في الوقت الذي طبّقت شهرة ابن دريد اللّغوية الآفاق … "(2)
2 – " إنّ مقاييس نقد الشّعر تختلف بالتّأكيد بين الالتزام بعمود الشّعر - وهو المقياس الأساسي للشّعر في العصور الأولى – وبين نظريات النّقد الحديثة والنّظرات الأسلوبية المتطوّرة في تحليل النّصّ الأدبي، وحتّى لو احتكمنا إلى مقاييس النّقد الأدبي في عمود الشّعر العربي لوجدنا أنّها لا تتحقّق في كثير من قصائد ديوان ابن دريد ومقطعاته "(3)
3 – أغلب ما اشتمل عليه ديوانه نظم وليس شعرًا؛ لأنّه تسجيل لأفكار ومواقف في الحياة، رسمها ثمّ نظمها في قواعد التزمت بالوزن والقافية … وهي تشبه المذكّرات اليومية، تصنّف في خانة المحاولات التي لا ترقى إلى أن تكون شعرًا …
4 – " إنّ ابن دريد علم كبير من أعلام اللّغة، وجبل من جبال العلم، وهو من خزائن المعرفة المعدودين، وإنّ هذا التّراث الضّخم الذي يحفظه هو الذي مكّنه من (صناعة) هذه المقطوعات الشّعرية. إنّ حضور المفردات والتّراكيب اللّغوية في ذهنه، وقدرته على التّصرّف بها، إضافة إلى محفوظاته من أمثال العرب وقصصهم وتاريخهم وشعرهم هيّأ له أن يقول هذا العدد الوفير من المقطوعات، ولكنّ هذا المخزون الهائل من المحفوظات لم يفلح في أن يجعل منه شاعرًا … "(4)
أي إنّ شعر ابن دريد – حسب هذا الرأي - خالٍ من الفنيّة والجمالية، ومفتقر إلى براعة التّصوير و رونق التّعبير. غلبت على شخصيته الصّفة العلمية، فهي تسيطر عليه
(1) - ينظر المرجع السّابق، ص: 1263 – 1285. الدرّاسة عنوانها: " شعر ابن دريد الأزدي نظرات في اللّغة والدّلالة ".
(2) - المرجع السّابق، ص: 1266.
(3) - المرجع السّابق، ص: 1267.
(4) - المرجع السّابق، ص: 1268.