سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٠٤

وصبره عليها … أمّا موقف أبي مسلم الرّواحي من الدّهر فخلص منه إلى أنّ ظلم الدّهر للنّبلاء والشّرفاء من النّاس، إنّما هو جزء ممّا يقع على الأحرار، الذين يدافعون عن أوطانهم في كلّ مكان من اضطهاد وقسوة … "(1)

رغم أنّه اعترف بأنّ الشّاعرين أبا مسلم وعبد الله الخليلي استلهما روح مقصورة ابن دريد، وتأثّرا به، إلاّ أنّه يرى أنّ موقف ابن دريد في مقصورته موقف خاصّ، إذ لم يعتدّ بمن حوله. " .... أمّا موقفهما (أي أبي مسلم والخليلي) فقد كان ترجمة لما في وجدان المجتمع من معاناة. فهما ينشدان المجد للوطن في مستقبله، ويهيبان به أن يلتفت إلى ماضيه العريق، خاصّة وأنّ المقصورتين كانتا في وقتين تشابهت فيهما الأحداث والمحن التي نزلت بعمان. "(2)

بالتّأمّل في هذه الملاحظة يبدو لنا أنّ الباحث قد بالغ كثيرا في حكمه، وأساء فهم ما أراد ابن دريد تثبيته في مقصورته. على الأقلّ نقول: إنَّ الرّأي الذي أبداه الدّكتور عليّ عبد الخالق في حاجة إلى مناقشة، وإن كنت – شخصيّا – أراه مجانبا الصّواب.(3)

مجمل القول: إنّ مقصورة ابن دريد هي خلاصة تجارب تاريخيّة طويلة، وحديث عن العرب وآثارهم، وسجلّ لقضايا إنسانيّة، ووسيلة تعليم للّغة العربيّة، وعرض للأدب وتقويم للسّلوك. وبذلك يتخطّى ابن دريد في مقصورته الخواطر الذّاتية إلى الهموم والاهتمامات العامّة. يقول عمر، ابن سالم: " اعتبرنا المقصورة التي قيلت في مدح الشّاه ابن ميكال وابنه من الشّعر التّعليمي، لأنّ قيمتها – في نظرنا – لم تعد في هذه الأبيات القلائل التي ذُكِرَ فيها الممدوحان، إنّما في قافيتها التي سارت بها الرّكبان، وتداولها من أجلها المؤدّبون والمعلّمون تلقينا ومعارضة وشرحا. "(4)

إنّ المقصورة لم تكن موجّهة لابني ميكال فقط، حتّى ولو كان نظمها مرتبطًا بهما، من حيث المناسبة، وذكرهما في القصيدة. فأسرة بني ميكال كانت صاحبة شأن عظيم؛ لحبّها العلم والأدب، ودرايتها الكبيرة وكفايتها العالية في شؤون الحكم والسّياسة، هذه المكارم تتناسب مع شخصية ابن دريد، وتستجيب لميوله .. لذا اندفع لإعداد عمل فنّي علمي وجّهه لمن يأنس منهم خيرًا في تشجيع العلم. فنظم المقصورة، ومن خلالها نشر العلم والأخلاق والقيم وغيرها. وفي هذا يقول علي بن محسن آل حفيظ" … لأنّ

(1) - المرجع السّابق، ص: 87، 88.

(2) - المرجع السّابق، ص: 92.

(3) - ينظر مناقشتنا هذا الرّاي كتابنا: ابن دريد العالم المعلّم.

(4) - ديوان ابن دريد دراسة وتحقيق عمر، ابن سالم، ص: 8.

٩٤ / ١٥٣