سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١٠٥المقصورة التي شاع ذكرها في الآفاق، وعارضها أو قلّدها كبار الأدباء والنّاظمين، والتي خلّدت اسم صاحبها، قبل أن تخلّد ذكر بني ميكال، قد تضمّنت العديد من الأغراض الشّعرية والاجتماعية والفنّية والعلمية والتّربوية، إذ لم يذكر ممدوحيه في المقصورة إلاّ في أبيات قليلة، ثمّ انطلق في رحاب بحر من المعاني الإنسانية ذات القيمة العلمية والفنّية والتّربوية والعقلية. فكأنّما ابن دريد قد لخّص حياته، وكثّف تجاربه في هذه القصيدة التي عدّت من الشّعر التّعليمي لدى رجال التّربية والعلم في الوقت الذي حوت فيه إلى جانب اللّغة والحكمة والعظة والاعتبار مفاهيم أخرى جديدة عقلية وفلسفية وتاريخية ودينية وغير ذلك … "(1)
في ختام حديثنا عن مقصورة ابن دريد نسجّل ما يأتي:
1 – أغلب من عارض ابن دريد في مقصورته، أو تأثّر بها أو استلهمها كان ينطلق من المدح، كما فعل ابن دريد نفسه. وهو ما يؤكّد على رغبة من قلّده في السّير في ركابه، وعلى طريقته. هذا ممّا يثبت تأثيره فيمن بعده، في مختلف العصور، وهو ما يشير إلى مكانته الأدبيّة المتميّزة.
2 – كثير من معارضي المقصورة كانوا لغويّين ونحاة، يبيّن هذا قيمتها اللّغويّة (إلى جانب قيمتها الأدبيّة) بالنّظر إلى ما اشتملت عليه من ألفاظ ومسائل لغويّة، وما صبغت به من صبغة تعليميّة.
3 – كثير من علماء القرن السّادس الهجري وأدبائه اهتمّوا بمقصورة ابن دريد: شرحا ومعارضة. ما السّرّ في ذلك؟
4– كثير أو أغلب من عارضوا مقصورة ابن دريد كانوا من المغرب والأندلس. ما تفسير ذلك؟ هل سببه مجرّد الإعجاب بها؟ هل كان الهدف الاستفادة منها أدبا ولغة؟ إن صحّ هذا التّعليل الأخير فإنّه يزيد من تعزيز مكانة ابن دريد من حيث دوره في تعليم اللّغة وتكوين الرّجال حتّى بواسطة آثاره، من دون التّعليم المباشر، أم هناك سرّ آخر وسبب غير هذين؟ يقول الدّكتور أبو القاسم سعد الله: " … ومهما كان الأمر فقد اهتمّ الأندلسيّون والمغاربة بابن دريد: لغة وشعرًا وتراثا؛ ممّا جعله من المؤثّرين في حياتهم الأدبية واللّغوية والتّعليمية على مرّ العصور.
والواقع أنّ حازم القرطاجنّي نفسه لم ينكر أنّه تأثّر في مقصورته بمقصورة ابن دريد، وأنّه مدين له فيها وأشاد به وبها، أليس هو القائل عن مقصورته: وما هذه القلادة
(1) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 141.