مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١٣ما دام للتّاريخ هذه المكانة وهذا الدّور، إذن هو الذي يسعى إلى توجيهنا ” فيكوّن وجدانا لنا يذكي فينا الحماس لمثلهم العليا، فنعمل لتحقيقها، والرّغبة في طريقتهم المثلى، وفي نهجهم القويم، فنتمسّك به، … ونندفع فيه، فنصل الدّرجة الرّاقية التي كان عليها الأجداد، ونكون مثلهم في العزّة والإباء، وفي الطّموح والمحاولة، وفي العمل والكدّ، وفي الإخلاص والإتقان، وفي العمل لله. وتلك هي أسباب النّجاح والتّفوّق، وعوامل القوّة والتّقدّم“(1).
بالتأمّل في هذه النّظرة، وهذا التّقرير نكتشف حرص الشّيخِ الكبيرَ على إعداد الشّخصية القويّة، المتماسكة، التي تقوى على المجابهة والمقاومة، ومن ثَمّ تتمكّن من المحافظة على أصالتها، وعلى قوّتها وجدارتها في ضمان البقاء، بل في الاستمرار في التّطوّر والتّقدّم. في هذا المعنى يقول الدّكتور فاروق عمر: " إنّ التّاريخ يخلق الشّخصية الإيجابيّة ذات الأثر الفعّال في مجرى الحياة، والمقصود بالشّخصية الإيجابيّة هي الشّخصية التي تقوم على الولاء للوطن والإخلاص لأهداف الأمّة، والعلم بطرق تحقيق تلك الأهداف والعزيمة القويّة، التي تدفع للإسهام في هذا التّحقيق"(2)
لهذه الغايات التّربويّة التي تتحقّق بالتّاريخ يقول محمّد علي دبّوز عن الصّفات التي يكتسبها الشّخص من البيئة الاجتماعيّة الراقيّة من تاريخ السّلف:”ولا يتّصف بها إنسان إلاّ تغيّر حاله، وتبوّأ أرفع الدّرجات في كلّ النّواحي، وكان الله معه؛ ليحقّق له كلّ الآمال، فيكون هو السّيّد الذي يسود غيره، والذّروة التي تشمخ على سواها، فلا يستطيع عدوّ كاشح أن يخضعه، ولا لصّ مُخَاتل أن يحتلَّ داره، ولا مستعمر غشوم أن يتسلّط عليه“(3).
من هذه العبارات الواردة في النّصّ يتبيّن لنا أنّ الشّيخ يعتمد اعتمادا كبيرا على التّاريخ لحماية الكيان والمحافظة على الشّخصية وردّ العدوان عنها، وقد انطلق في كلّ ذلك من حقيقتين:
إنّ الإنسان مركّب من غرائز و ميول فطريّة، مثل غريزة حبّ الظّهور، التّقليد، الخوف، المشاركة الوجدانيّة … هذه الغرائز الفطريّة هي أساس تربية الفرد وأخلاقه، وتغيّره وتطوّره وبلوغه أرفع
(1) - م. س، ص: 13.
(2) - التاريخ الإسلامي و فكر القرن العشرين، ص: 8.
(3) - تاريخ المغرب الكبير الجزء الثاني، ص: 13، 14.