مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١٤الدّرجات. وهي التي تصبغ حياته الاجتماعيّة، وتطبعها بطابعها، حسب ما يجده الفرد من توجيه خاصّ و إمكانات لتهذيب تلك الغرائز، وتلك الميول الفطريّة. فإذا ما أُسِئَ توجيهُها نَشَأَ الإنسانُ منحرفا، على طريقة من يختلط بهم، ويعاشرهم، ويكون نسخة ممن نشأ معهم وتأثّر بهم؛ لأنّ التّوجيه كان خاطئا، والإمكانات المسخّرة كانت غير صالحة. بينما البيئة التّاريخيّة يمكنها تعويض تلك النقائص.
يتأيّد رأي محمد علي دبوز بما قرّره بعض الدّارسين من أنّ على المؤرّخ تقع مسؤولية كبيرة في الاتِّجاه الذي يجب أن تسير فيه الأمّة. يقول فاروق عمر:" فالمؤرِّخ أيّ مؤرِّخ ينتمي إلى أمّة، عليه أن بكون مخلصا لأمّته، مواليا لها مثل ولائه للحقيقة و للإنسانيّة، و على المؤرِّخ تقع مسؤولية تبصير مواطنيه بقضاياهم المصيريّة، والأزمات المرتقبة، وأن يقف إلى جانب أمّته منذرا ومبشِّرا ومشجِّعا"(1).
ما لاحَظَهُ الشّيح محمد علي دبوز من هجوم على الشّخصية الإسلاميّة، من الأعداء الحاقدين والمغرضين النّاقمين، وما لمسه من استهانة بها من أبنائها، الذين لم يشربوا حبّها، ولم يدركوا حقيقتها، وما رآه وأحسّ به من التّشكيك في أصالتها من بعض مهزوزي الوجدان، ورقيقي الإيمان وضعيفي الوطنيّة. فخاف على هذه الشّخصية أن تتفكّك وتنهار، إن اعتمد فيها على البيئة الواقعيّة الموبوءة، أو غير القادرة على حماية هذه الشّخصية، وتعزيز مكانتها في نفوس المنتمين إليها. لذلك حذّر من العدوّ الكاشح واللّصّ المخاتل والمستعمر الغشوم أن يتسلّطوا عليها، وذلك باللّجوء إلى البيئة التّاريخيّة، التي تفوّت الفرصة على هؤلاء، عوضا عن البيئة الاجتماعيّة الواقعيّة التي تكون عاجزة – غالبا – عن القيام بهذا الدور، بل أحيانا يشوبها و يقترن بها كثير ممّا يضعف أخلاق الفرد، وبذلك تقلّل من نجاحه في الحياة.
إذن يجب الاعتناء بالتّاريخ في البيوت والمدارس و المجتمع؛ لأنّنا به نستطيع ”اختيار العصور الزّاهرة … والشّخصيات العظيمة، كالرّسول - صلى الله عليه وسلم - والصّحابة والتّابعين والسّلف الصّالح، ورؤساء دولنا وكبار علمائنا. ونختار من التّاريخ ما هو حسن، فنجعله بيئة للتّلميذ، ينغمس فيها، ويشغف بها ويعاشرها بالقراءة
(1) - التاريخ الإسلامي و فكر القرن العشرين، ص: 7.