سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٥

اللّذيذة والدّرس العميق. إنّ لَهَذا أحسن من البيئة الاجتماعيّة الواقعيّة، التي قد لا نستطيع أن نعزل منها ما لا يرضينا، و لا نجد فيها كلّ المثل العليا، التي نريدها“.(1)

إنّ الشّيخ يقتدي - في هذا السّبيل – بالقرآن الكريم، الذي يعتمد أسلوب القصّ التّاريخي وسيلة من وسائل التّربية، فيطلعنا على صبر أيّوب، ويقين إبراهيم، وعفّة يوسف، ونسك عيسى وعظمة محمّد عليهم الصّلاة والسّلام، ويكمل لنا ما يعوز بيئتنا الاجتماعيّة بذلك التّاريخ.

إنّ من شأن تلك الأخلاق التي نستقيها من التّاريخ من سيرة أصحابها، التي نكرّرها و نتأمّل فيها، من شأن ذلك أن يساعدنا على التّربية الحسنة، بترسيخ تلك الفضائل في نفوسنا، المُستفادة من ناس أفاضل أخيار؛ لأنّ عدواها لا شكّ ينتقل إلينا، فنكون على غرار من نقرأ تاريخهم و ننشأ على منوالهم.

لعلّ ما لاحظه الأستاذ محمّد عليّ دبّوز من الانقلابات الخطيرة التي حدثت في المحيط الاجتماعي، وما ساده من أخلاق بعيدة عن الرّوح الإسلاميّة، وما رآه من انحرافات لا تقوى على أن تنشئ لنا أجيالا مستقيمي السّيرة، يتّصفون بما يتّصف به الرّجال، الذين تقوم عليهم مسؤولية قيادة الأمّة، وبناء الوطن؛ إذ يصعب على المربي انتقاء ما يخدم شخصيّة الطّفل وينمّيها تنمية سليمة، وصرفُه عمّا يهدم فيه مقوّماتها. لعلّ هذا هو الذي جعله يعتقد أننا نستطيع أن نجبر هذا النّقص، ونتلافى هذه السّلبيات بالتّنقيب في ذاكرة الزّمن، وفي أعماق الماضي عن المواقف المشرّفة، وما يكون قدوة للطّفل، يساعده على تشكيل شخصيته، وبناء نفسه؛ فنهيِّئ له البيئة الحسنة الصّافية الرّاقية، التي يترعرع وينشأ فيها، مادمنا عاجزين عن التّحكم في البيئة الواقعيّة.

هو رأي له وجاهته و نصيبه من الصِّحة إذا نظرنا إليه من زاوية التّربية والتّوجيه. يبقى للمختصّين أن يبدوا وجهات نظرهم فيه. يمكن لنا أن نستنير ونستأنس في هذا المجال بما قاله الدّكتور يوسف جعفر سعادة: " والتّاريخ من الوسائل النّاجحة لدمج الفرد في الحياة الاجتماعيّة، فالطّفل بعد أن يتمثّل طراز حياة الجماعة التي ولد فيها، يتمثّل عن طريق التّاريخ ذكريات هذه الجماعة وتقاليدها وعاداتها وروحها،

(1) - تاريخ المغرب الكبير الجزء الثاني، ص: 17.

١٥ / ٦٤