سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٨

بناء على ما تقدّم فإنّ الشّيخ محمد علي دبوز يرى وجوبا ” أن نقف في هفوات الأجداد، وما أثار الأعاصير عليهم، فنصوِّره للأحفاد، ونحذّرهم منه، ونفتح عيونهم على ما أودى بدولنا القديمة من أمراض كالانغماس في المدنية، والرّكون إلى الرّاحة والاتصاف بالأنانيّة و بالعصبيّة القبليّة والمذهبيّة، وبالحسد الذي هو أمّ الخبائث كلِّها، وهو الذي أودى بدولنا الإسلاميّة، وشقّق جماعة المسلمين، فداخلها سوس الاستعمار، ورتع فيها ذباب أوروبا وطمعت فيها كلّ الحشرات الضّعيفة “.(1)

الأستاذ يُبَيِّن أنّ من أساسيّات التّاريخ أن يكون للاتّعاظ والاعتبار من أحداثه؛ إذا أردنا أن نُفيدَ منه حقًّا. بل يجب أن تكون لنا الشّجاعة الكاملة، والجرأة الحقيقيّة في الوقوف عند أخطاء السّلف لإِطْلاعِ الخلف عليها، حتى يختطّوا لأنفسهم طريقا سليمة، فلا يكرِّروا أخطاء آبائهم. كما يجب أن نتحمَّل مسؤولياتنا التّربويّة كاملة، ونُخْلِصَ في توجيه ناشئتنا بواسطة التّاريخ، فلا نخاف منه، لأنّ خوفنا منه يجني عليه وعلينا جناية كبيرة.(2)

نلاحظ أن الأخطاء التي عدّدها الشّيخ للآباء ولبعض دولنا الإسلاميّة، وهفوات أجدادنا التي سجّلها عليهم، نلاحظ أنّها أخطاء تحكّمت فيها الغرائز التي لم يُحسَن توجيهُها و تهذيبها.

هذا العمل الكبير الذي نقوم به، ونحن نعتبر بالتّاريخ الصّحيح ونتَّعظ، يزيلُ عن الأبناء كثيرا من العقد النّفسيّة التي غرسها في نفوسهم الحانقون على الإسلام والمسلمين، والمتربِّصون به الدَّوائر؛ لضربِ وَحدة المسلمين. ويُبعِدُ عنهم الآثار السّيِّئة التي ركَّزها فيهم بعض الذين لا يحسنون التّربية والتّوجيه، فلا ينبِّهون النّاشئة إلى الأخطاء والذّنوب التي جرّت الأجداد إلى عواقب وخيمة، احتفظ بها التّاريخ في ذاكرته. بل إنّ الشّيخ يذهب إلى أبعد من هذا فيقول: ” إنّ هذا أكبر فرض يجب على المربّي في دروس التّاريخ أن يقوم به، وإلاّ يكون مقصِّرا في التّربية، مخلاّ بواجبه الوطني، لم يأت أهمّ ما يجب عليه في بناء الجيل الجديد، الذي يجب أن يكون خاليا من العقد النّفسيّة الموروثة، ومن العقائد البالية الفاسدة؛ ليكون صفًّا مرصوصا، وبنيانا متينا، فيصل بمغربنا الحبيب إلى الذّرى العالية، التي تؤهِّله لها متانة أخلاقه،

(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 21.

(2) - ينظر مقالنا " نخاف من التّاريخ فنجني عليه"، جريدة النّصر، قسنطينة، (الجزائر) عدد: يوم 13 - 01 - 1988.

١٨ / ٦٤