مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٠التّاريخ نفعا خالصا للأمّة، وسببَ وحدة ومحبّة، تجعل أمّتنا الكبرى كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا.“(1)
إنّ هذا الهدف، وهو توحيد الرّؤية والمشاعر، الذي يوصِل إلى توحيد الصّفّ – بفعل التّاريخ – يتطّلب معرفة السّلوك الذي يجب تبنّيه؛ لتمكين هذه الرّوح الوطنيّة في النّفوس، وتعزيز هذا الانتماء في القلوب، وهو ما تكشف عنه العمليّة التّاريخيّة. والتّاريخ وحده – من بين العلوم الإنسانيّة - الذي يقوم بهذا الدّور. يقول فاروق عمر:" إنّ العمليّة التّاريخية التي يكشفها التّاريخ تبيّن الاتّجاه الذي يجب أن تسير فيه الأمّة. إنَّ هدفنا هو أن نُعِدّ المواطن، لا ليعيش في حاضر دائم، بل في حاضر متطوِّر نحو مستقبل، يجب أن يكون خيرا من الحاضر. هذه هي الوظيفة الوطنيّة للتّاريخ، وهي وظيفة، لا يمكن أن يؤديها غيرُ التّاريخ من العلوم الإنسانيّة."(2)
لهذا يقرر محمد علي دبّوز: ” أنّ تاريخ أجدادنا هو الذي يؤثِّر فينا أكثر، فيجب الاعتناء به … والاعتماد عليه في تربيتنا في البيوت والمدارس والمجتمع. “(3) بينما في المقابل – و لملحظ نفسي – يزهِّدنا الأستاذ في دراسة تاريخ غيرنا، فهو لا ينفعنا؛ لأنّه ترعرع في بيئة غير بيئتنا، ويتّصف بصفات لا تتوفّر فينا، وقد أوجدته ظروف وعوامل غير التي توفّرت لأجدادنا وآبائنا. ولمفارقات أخرى، قد تؤثّر فينا سلبا، فعوض أن نستفيد من التّاريخ ما يعيننا على تكوين شخصيتنا، وبناء نفوسنا. فإنّنا قد نتعقّد به، لأنّنا ربما قد نخرج منه بنتيجة خطيرة هي: إنّ هؤلاء الذين نقرأ تاريخهم هم من جنس أرقى من جنسنا(4)، و أنّ لهم مواهب غير مواهبنا المتخلّفة، وبذلك نفقد الطّموح، الذي يمكِّننا من اللّحاق بركب الحضارة، ونفقد الثِّقة في نفوسنا، وفي إمكاناتنا.
يريد الشّيخ من خلال هذه الفكرة أن يصرف أبناء الإسلام عن دراسة تاريخ الأوروبيّين، الذي فيه مثل هذه الآراء الخاطئة والمغرضة؛ لأنّه هو ما توفّر في كتب التّاريخ، ولأنّ عقول الأبناء ساذَجة،
(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّالث، ص: 11.
(2) - التّاريخ الإسلامي و فكر القرن العشرين، ص: 7.
(3) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 16.
(4) - كما هو حال أغلب مقرّراتنا ومناهجنا في مدارسنا، التي تنشئ أبناءنا على فكرة تفوّق الغرب علينا وعلى آبائنا، وتأصيل أنّ التّقدم مقصور على غير المسلمين.