سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢١

ومداركهم قاصرة، فخاف الشّيخ أن تتأثّر بهذه الكتابات، فنخسر من التّاريخ أكثر ممّا نربح. فأراد أن يتشبّع أبناؤنا بتاريخ آبائهم أوّلا، ويتأثروا به وتتمتّن العلاقة به، ثمّ بعد ذلك يسمح بمعرفة تاريخ غيرهم(1)؛ لهذا قال للشّاب المسلم والنّاشئ: ” أمّا تاريخ أجدادك الذين نشؤوا في أرضك، فهم أبناء بيئتك الطّبيعيّة، التي لا تتبدّل، وفي دمائك وراثتُهم، تلك الوراثة التي انحدرت إليك منهم، و هي بفضل إعْمالِهِمْ لها في جهادهم أقوى ممّا انحدر إليهم من أجدادهم، ففيك من عوامل القوّة والنّجاح أكثر ممّا فيهم، فتثق بنفسك، فتسلك طريقهم، فتصل ما وصلوا.“(2) بهذا التّفكير، وهذا العرض لحقيقة التّاريخ، يحاول محمد علي دبّوز التّركيز على الجانب الوطني في التّاريخ؛ ليؤدِّي مَهمّته التَربويّة على أحسن ما يرام.

ليزيد هذه الوطنيّة وضوحا وبيانا، كشف عن خطّة المستعمر في تعامله مع المسلمين مع تاريخهم: ”لهذا حرّم الاستعمار اللاّتيني على المغرب أن يعرف تاريخ أجداده؛ لأنّ تأثّرنا بهم يقتضي أن نثور عليه، فندفع ما يكدّر حياتنا، ويدنّسها وينتنها إلى البحر، ونصفّي حياتنا وأوطاننا من المرارة والسّموم التي ألقاها البحر إلينا. “(3)

ثم ضرب مثلا لدور التّاريخ في غرس روح الوطنيّة في النّفوس وتنميتها بعناية الأوروبيّين بتاريخهم، وانتفاعهم به في بثّ الرّوح فقال: ” إنّ الأوروبيّين قد عرفوا آثار القصص التّاريخية للعظماء في بناء الأخلاق العظيمة والتّربية الحسنة، وتهذيب الأمّة، فاعتنوا بتاريخ أجدادهم وعظمائهم، فأبرزوه في أسلوب قصصي جذّاب، يجعل النّاشئة تُغرَم به وتستغرق في قراءته، وتتنبّه كلّ التّنبّه إليه، فيتأثّرون بأجدادهم العظماء، ويحافظون في أمّتهم على تقاليدهم الحسنة، التي هي سبب عظمتها وبقائها “(4)

(1) - الشّيخ لا يمانع من قراءة تاريخ غيرنا ودراسته، إنّما يمنعه عن الناشئة إلى حين تتشبّع بتاريخ آبائها؛ لتكون لها الحصانة فيما يبثّ من سموم في تاريخه، بدليل أنّه يدعو أبناء الإسلام إلى الإفادة من كل تاريخ عظيم: " إنّ هذه الآثار العظيمة لتكون لنا بدراسة تاريخ كلّ أمة عظيمة، و إن كانت أجنبيّة عنّا … ". تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 15.

(2) - م. س، ص: 16.

(3) - م. ن. قال في موضع آخر: " إنّ التّاريخ هو الفنّ العظيم الذي حرمنا الاستعمار منه، وحرّمه علينا، فيجب أن نبادر بعد استقلال المغرب فنأخذ حظّنا منه، وننتفع به في تربية الأجيال القادمة". م. س، ص: 26، 27.

(4) - م. س، ص: 18.

٢١ / ٦٤