سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢٣

والازدهار، وعلى النّجاح في الأمور، والتّقدم والتّفوّق في كلّ النّواحي … وإذا أرَاهُ (أي المربّي) دولةً تتنكّر لدينها، وتُعرِض عن الإسلام، وعمّا أمر به القرآن، وتحتقر الدّين وتزدريه، وتأخذ بالمذاهب الهدّامة التي وضعها أعداؤها … فإنّ عاقبتها لا شكّ هي الدّمار والاضمحلال، وما تبوء به إنّما الخسارة والهلاك و التّمزّق والتّفكّك، وما يكون لها في صدور الأحرار و الأمم إنّما هو الاحتقار و الازدراء.“(1)

هذه النّتائجُ المترتّبةُ عن مقدّمات، الحاصلةُ من أسباب معيّنة هي ما يجب أن يترك المربّي فيها الفرصةَ للتّلميذ كي يتوصّل إليها بنفسه، بل عليه أن يثير اهتماماته، ويُشبِع فضوله العقلي، ويسأله عن الأسباب المؤدّية أو الموصلة إلى تلكم النّتيجة، أو يسأله بعد وضع المقدّمات أو تقديم معطيات عن النّتائج الممكن الوصول إليها. أو محاولة انتقاء مواقف تعليميّة من التّاريخ ودفع التّلميذ للتّفاعل معها، بذلك يكون المربّي: ’’ قد ربّى فيه الخُلق بإلفاته إلى عائدة التّمسّك بالدّين، وربّى فيه العقل بالاستنباط والاستخراج.‘‘(2)

ما يجب جعله في الحُسبان، وإيلاؤُه عناية كبيرة في مجال إعمال العقل في التّاريخ، هو عدم البقاء أسير آراء سابقة، وأفكار خاصة دُرِج عليها، حتىّ ولو كانت خاطئة؛ لأنّها هي التي عكّرت الصّفو على المسلمين، وأعاقتهم عن التّفاهم والتّلاقي، بل يجب إعمال العقل وتحكيم المنطق في التّاريخ ورواية الأحداث ونقل الواقعات. فمتى تبيّن لنا خطأ رأي أو معلومة، يجب تسجيل ذلك، والإعلان عنه؛ حتىّ لا ننحرف عن التّاريخ في هدفه ومغزاه، وهو التّربية العقليّة والتّنمية الإدراكيّة فينا وفي النشء: ’’و يجب أن نترك إلفنا وما ردّده أجدادنا، فاستقرّ في عقلنا الباطن، يكوّن أحكامنا في التّاريخ، يجب أن ننظر بعقولنا، ونبحث بحثا منطقيّا خالصا، لا توجّهنا فيه العواطف الموروثة، ونعتمد في أحكامنا على الأدلّة القويّة والبراهين السّاطعة والنّصوص الصّحيحة … ‘‘(3)

(1) - م. ن.

(2) - م. ن.

(3) - م. س، ص: 24.

٢٣ / ٦٤