سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢٦

والطّرق النّاجحة في التّربية. لهذا يرى الشّيخ أنّ التّاريخ أكبر وسيلة في التّربية، ويفضّله على دروس الأخلاق النّظريّة.

التّاريخ ودروس الوعظ والإرشاد

لخطورة التّاريخ وأهميّته في مجال التّربية فإنّ الأستاذ محمد علي دبّوز يراه أجدى من دروس الوعظ والإرشاد النّظريّة؛ لأنّ التّاريخ يجسّم الفضيلة في سلوك الصّالحين، ويقدّمها مصحوبة بعاقبتها الحسنة، ومقرونة بجدواها العظيمة؛ فيكون المرء أكثر إدراكا لها وأحسن تصوّرا، ومن ثَمّ يتملّكه الإعجاب بها، فلا يسعه بعد ذلك إلاّ الإيمان بها: ’’ فالصّلاح نراه مقرونا بالنّجاح الذي حصّلوا عليه، والأخلاق العظيمة في العظماء نراها مصحوبة بالزّعامة والعبقرية والمجد الذي تُتُوِّجوا به. فنرى الفضيلة فيهم في هالة مشرقة من عاقبتها الحسنة، ونحسّ بها في حلاوة عائداتها الجميلة، فيكون إيماننا بها أشدّ، ورغبتنا فيها أقوى؛ فتثور غريزة السّيطرة وكثير من الغرائز فتبعثنا عليها، فنتّصف بها.‘‘(1)

كما يجسّم التّاريخ الرّذيلة في سلوك المذنبين مقرونة بعاقبتها الوخيمة:’’فنراها في بؤس المذنبين وفي مشنقة المجرمين، وفي جحيم الله الذي أعدّه للعاصين؛ فتبدو لنا في أبشع صورها، وفي هولها ونكرها.‘‘(2) وبذلك ندركها أكثر، ونتصوّر قبحها وأثرها أكثر فنزداد نفورا منها، وأكثر مقتًا.

هذه العبر وهذه الأخلاق يقدّمها لنا التّاريخ على شكل قصص وسير وسلوك، فترسخ في قلوبنا، وترتسم حقيقتها في أذهاننا. يقول الشّيخ محمد علي دبّوز:’’ أمّا المواعظ النّظريّة ودروس الأخلاق المعنويّة، التي لا تؤيّد بالقصص التّاريخيّة، فإنّ المرء لا يزيد بها على أن يلين قلبه بعض اللَّين، و تدمع عينه بعض الدّمع، ثم ّيقسو قلبه، وترقأ دمعته، وينسى ما سمعه من المعاني، لا تفجّر المعاني منه ما يفجّره المحسوس الواقع، الذي يرسمه التّاريخ في خيالنا من دموع غزيرة، تغسل نفوسنا من الأدران، ويطهّرها

(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 20.

(2) - م. ن.

٢٦ / ٦٤