سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢٧

الوجدان المتأجّج، بالتّحسّر والنّدم، فتكون صافية بيضاء، ناصعة كالثّوب الأبيض، الذي غسلناه، فأجرينا عليه المكواة الحامية، فأرجعت له جدّته، وأزالت تجاعيده، ومنعته من التّسوّس والبلى.‘‘(1)

يرى الشّيخ أيضا أنّ الأبناء الذين عقّوا تاريخهم – مهما تكن الأسباب في ذلك – أو الذين لم يعوا حقيقة هذا التّاريخ، ومن ثمّ تعاملوا معه تعاملا باردا فاترا خاليا من الانفعال والتّفاعل … هؤلاء لا يمكن إقناعهم بخطئهم، وتعريفهم بتاريخهم المشرق، بالوعظ النّظري وحده، ولا بالجدال: ’’ ولكن بالتّاريخ الذي يعيشون به في بيئة أجدادهم الزّكيّة؛ فتورِّثهم بياضها وإشراقها، فيكون كما يريد مغربنا الحصيف النّاهض، وكما يرضى الله.‘‘(2)

رغم اعترافنا بأهميّة التّاريخ التّربويّة، ومزاياه على الدّروس النّظريّة، والمواعظ والإرشاد، التي تكتفي بسرد المعاني فقط. إلاّ أنّنا نأخذ على الشّيخ محمد علي دبّوز مبالغته في إضفائه هذه الصّفة على التّاريخ، وإعطائه هذه الوظيفة الكبيرة، وعدِّه الكفيلَ بالقيام بعمليّة التّربية والتّوجيه، والاضطلاع بهذه المهمّة، دون سواه من الوسائل الأخرى. نستشف هذا الحكم من عباراته التي أفرغ فيها فكرته. كالتّشبيه الذي قدّمه في مقولته السّابقة، وهو يتحدّث عن غسل الموعظة التّاريخية للنّفوس من الأدران، وتطهيرها تطهيرا كاملا: ’’ فتكون صافية بيضاء ناصعة، كالثّوب الأبيض الذي غسلناه فأجرينا عليه المكواة الحامية، فأرجعت له جدّته، و أزالت تجاعيده، ومنعته من التّسوّس و البلى.‘‘

ما نأخذه عليه أيضا – و نستنتجه من تعبيره – سلْبَه المواعظ النّظريّة المنفعة والجدوى والتّأثير في النّفوس، إلا ما كان آنِيا وقتيًّا؛ إذ سرعان ما ينسى المخاطب بدرس نظري الأخلاق التي لُقِّنَها:’’ فإنّ المرء لا يزيد بها على أن يلين قلبه بعض اللّين، وتدمع عينه بعض الدّمع، ثم يقسو قلبه وترقأ دمعته، وينسى ما سمعه من المعاني.‘‘

هذه المبالغة في تقرير هذه الفكرة منشؤها – في نظري – اقتناع الشّيخ بجدوى التّاريخ وبدوره الفعّال في التّربية والتّوجيه، وحرصه على تأصيل هذه الفكرة في النّفوس؛ لِمَا لاحظه من عدم اكتراث النّاس بالتّاريخ، ومعاينته الأخطاء التي ارتكبت في حقّ التّربية؛ بسبب الإعراض عن التّاريخ، ثمّ وقوفه

(1) - م. س، ص: 21.

(2) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثاّلث، ص: 11.

٢٧ / ٦٤