سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢٨

على صنيع الاستعمار في تشويه الشّخصية الإسلاميّة، وانحرافه بالمجتمع الإسلامي في سلوكه؛ بتزييف التّاريخ، وكذا مشاهدته لمجتمعه يتخبّط ويتعثّر في وحل من الأخلاق الفاسدة والسّلوك المشين؛ بسبب عدم الإفادة من التّاريخ، والاطّلاع على مآثر الأجداد ومثالبهم، وأخذ العبرة منها، وكذا ما لاحظه من نقص وضعف – أحيانا – في دروس الوعظ والأخلاق النّظريّة.

كلّ ذلك أثّر عليه – سلبا – في التّنظير؛ فقد حمله ذلك على دَعْمِ فكرة آمن بها، والتّأكيدِ على نظريّة تبناها على حساب أفكار أخرى. هذا خطأ في النّظر والتّقدير، كثيرا ما عيب على الشّيخ. كما لاحظ ذلك الشّيخ علي يحي معمر في انتقاداته للشّيخ محمد علي دبّوز.(1)

مع ذلك فنحن لا ننكر دور التّاريخ في التّوجيه والإرشاد والتّوعية، وفي نشر الأخلاق وتفتيق العقل، وتنمية الخيال وتهذيبه إلى جانب البحث التّاريخي المحض.(2)

هذه بعض الآراء والنّظرات، التي قدّمها الشّيخ محمد علي دبّوز عن التّاريخ وسيلةً تربويّة للتّوجيه والتّكوين، هي في حاجة إلى وقفات وتأمّل ومناقشة معمقّة؛ لأنّها تحمل دلالات مهمّة. وهي وجهات نظر شخصيّة أملتها – أغلبها – ظروف خاصّة، وأفرزتها بيئة متميّزة، وكونتها عوامل ذات طابع خاصّ. على المؤرخ مناقشتها، وعلى المربّي نقدها وإغناؤها.

إلى جانب الدّور الكبير الذي يعطيه الشّيخ للتّاريخ في التّربية، فإنّه يُوكِلُ إليه دورًا آخر، وهو جبر النّقص أو التّعويض في مجال التّربية؛ كالاستعاضة عن البيئة الاجتماعيّة الواقعيّة، التي قد تفتقر إلى عوامل التربيّة الحسنة، أو إلى مقوّماتها، وإلى التّوجيه المثمر … الاستعاضة بالبيئة التّاريخيّة، التي يمكن بواسطتها توفير الجوّ الملائم لحسن الرّعاية و التّوجيه.

(1) - عاب الشّيخ علي يحي معمر على الشّيخ محمد علي دبّوز مبالغاته، التي تحجب بعض الحقائق – أحيانا – و توقعه في تناقض؛ لسبب واحد هو محاولته وحرصه على إظهار أهميّة الفكرة التي يؤمن بها، و تقديم صورة عمّا يعجب به، أو ينكره، فيتغافل عن الحقائق الأخرى أو يتناساها. و هو ما يصم بعض آرائه بعدم الوضوح أحيانا. ينظر مبحث " لا يا أخي" علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة (الإباضية في الجزائر، الطبعة الأولى، مكتبة وهبة. القاهرة سنة 1979، ص: 461 و ما بعدها).

(2) - ينظر ما يؤيد هذا الرأي "ج. هرنشو" و كتابه علم التاريخ " علم التاريخ"، ص: 105، 106.

٢٨ / ٦٤