مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٩هذا الجانب يعمل فيه العامل النّفسي دورا كبيرا، و هو المجال الذي أولاه الشّيخ عناية كبيرة لتوضيح آرائه، و بيان نظراته، و الكشف عن الجانب التّربوي في التّاريخ، وهو ما نعرض له في المبحث الآتِي.
التّاريخ والجانب النّفسي
حين نتأمّل في بعض الأوصاف التي سجّلها الشّيخ محمد علي دبّوز للتّاريخ، ونمعن النّظر في تعامله معه؛ تنظيرا وتطبيقا، نلحظ أنّه كان كثير التّركيز على الجانب النّفسي في هذه الوسيلة التّربويّة.
يُحاوِل من خلال تعريفنا بهذا التّاريخ، وتقديم صورة عن هذه الوسيلة، وإقناعنا بجدواها في العمليّة التّربويّة، يحاول أن يتغلغل معنا في أعماق النّفس البشريّة، ويسبر غورها، ويوقفنا على بعض الحقائق النّفسيّة فيها، وعلى بعض الإشارات، التي يجب مراعاتها؛ للسّير سيرا حسنا في التّربيّة، سواء في استغلال هذه المؤهّلات في التّوجيه أم تعديل بعض المعطيات فيها؛ لتستقيم العمليّة … كلّ ذلك هو ما يقوم به التّاريخ أو يَضْمَنُهُ.
ربّما كان لاطّلاعه على نظريّات في علم النّفس التّربوي، وتشبّعه ببعض المفهومات النّفسيّة، ووقوفه على بعض الأنماط السّلوكيّة، وتحسّسه لهموم المجتمع التي تسبّبت فيها عوامل القهر والضّيم والتّخلّف والجهل، التي تعرض لها، والإحباطات النّفسيّة التي نالته من الظّلمة والجبابرة والمستعمرين، والتي مسّته في مقوّماته وكيانه وأصالته؛ بسبب تزييف تاريخه، أو منعه من إرثه العزيز. لعلّ لكلّ ذلك أثر في جعله ينحو هذا المنحى في التّعامل مع التّاريخ، ويهتمّ بالجانب النّفسي أكثر من سواه، و يفسّر التّاريخ انطلاقا من هذه الزّاوية.
يركّز الشّيخ محمد علي دبّوز على جانب مهمّ في حياة الإنسان، هو جانب الغرائز التي تتركّب منها النّفس، والتي تُسيِّرُ حياته و توجّهها. يقول: ’’ إنّ هذه الغرائز و الميول الفطريّة العامّة هي أساس أخلاقنا، و سبب ما فينا من عقائد، تشكّل سلوكنا، و ترسم طريقنا في الحياة.‘‘(1)
(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 13.