مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣٠نظرا لكون هذه الغرائز هي التي تكوِّن البيئة الاجتماعيّة، التي يترعرع فيها المرء، بتأثير من يحيطون به ويختلط بهم، ومن يعاشرهم. والمربّون يستطيعون بواسطتها التّأثير في الأبناء و تشكيلهم كما يشاؤون، فإنّها في حاجة إلى من ينمّيها ويقوّمها، ويوجِّهها الوجهة الحسنة.
يرى الشّيخ في البيئة التّاريخيّة، وسيرة من سبق من الآباء والأجداد مجالا لذلك. يضرب مثلا بغريزة حبّ الظّهور التي تحقّق إنسانيّة الفرد. وهو الكائن الذي يسعى إلى إثبات وجوده، وفرض نفسه على الآخرين: ’’ومن تلك الغرائز غريزة حبّ الظّهور، التي تجعله يريد الاحترام من بيئته، والتّقدير والإكبار ممّن يختلط به، وهذا لا يكون إلاّ بالسّلوك الحميد الذي يكبره من يعاشره، والأخلاق الحسنة التي يحبّها من يختلط به، فتبعثه تلك الغرائز عليها. إنّها أقوى غريزة في الإنسان، فتسعة أعشار أعمالنا الحسنة تدفعنا إليها هذه الغريزة؛ لذلك يجب أن نحفّ الطّفل بالبيئة الاجتماعيّة التي تحترم الأخلاق الحسنة؛ لتبعثه هذه الغريزة عليها.‘‘(1)
حتَّى يربط بين هذه الغريزة و التّاريخ، وما يمكن أن يقدّمه هذا الأخير للأجيال في مجال التّربيّة بتوجيه هذه الغريزة نحو الأحسن، حاول الشّيخ التّركيز على ضرورة العودة إلى تاريخ الأجداد والأسلاف؛ لتوطيد العلاقة، والإفادة من سير الغابرين. من هذه السِّيَر يستمدّ الخلف قوَّتهم وحقيقة وجودهم، ويثبتون تلك الجدارة وحبّ الظّهور، التي قد يزهّدهم فيها، أو ينفيها عنهم بعض المغرضين والطّاعنين.
إذن بفضل هذه الغريزة يعطى الأبناء الثِّقة في أنفسهم، فيعملون على المحافظة على وجودهم؛ بما يضيفونه إلى هذا المجد بالتّربية والتّوجيه:’’إنّ غريزة حبّ الظهور ممّا يبعث الإنسان على الشّغف بتاريخ أجداده، وعلى التّنبه فيه، فيزداد تأثّره به، لأنّ أجداده جزء منه، فمجدهم هو مجده، وأنّ هذه الغريزة لتجد شبعها بمشاهدة هؤلاء الأجداد في عروشهم و التّحديق فيهم، وهم في حلل مجدهم، و إنّه لتدفع الابن ليكون مثل جدّه، فيبحث بدون شعور عن الطّريق الذي سلكوا، والأسباب التي أخذوا بها،
(1) - م. س، ص: 14.