سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٣١

فحقّقوا تلك الغايات، فتدفعه لسلوك ذلك الطّريق، والأخذ بتلك الأسباب؛ فيتّصف بأخلاق أجداده؛ فيكون عظيما مثلهم ومن الأسود الكاسرة … ‘‘(1)

ظاهر من هذه النّظرة، وهذا التّحليل أنّ الشّيخ ينطلق من الواقع المعيش الذي تمرّ به الأمّة الإسلاميّة المقهورة والمغلوبة على أمرها في حقيقة إنّيتها وأصالتها، التي عمل الاستعمار والظّلم على قهرها وتزييفها، وعلى محاولة هزم أبنائها نفسيًّا؛ بتصويره وإيهامهم بأن لا تاريخ لهم، ولا أصالة إلاّ ما يهيِّئُه لهم هو بنفسه، و ما يمليه عليهم.

في المسألة عامل نفسي يعمل على تنبيه النّاس إلى هذه الحقيقة، وإلى توضيح الرُّؤية لهم، وإلى التّركيز على جانب أساسي في البشر، و هو إشعارهم بحقِّهم في فرض الوجود، وبعث الثِّقة في النَّفس. هذا العامل يتحرّك في الإنسان و ينمو ويتطوّر بفعل الشّغف بتاريخ الأجداد و القراءة المتأنيّة في مجدهم وثرائهم.

هكذا يعمل التّاريخ عمله في تنمية غريزة حبّ الظّهور، فيحاول الابن الارتفاع إلى سمعة أبيه … والارتقاء إلى مستواه، وتسنّم مجد سلفه، فيردّ أسطورة التفوّق الأجنبي عليه، ويدافع عن وجوده، ويدفع ضيم العدوّ و الجاني عنه: ’’فلا تستطيع ثعالب الاستعمار أن ترتع في عرينه، وتستأسد في غابه ‘‘. لكلّ ذلك يضيف الشّيخ محمد علي دبّوز: ’’حرّم علينا الاستعمار دراسة دولنا الإسلاميّة ومعاشرة أبطالنا، … والاختلاط بأجدادنا، وهم في ذروة عزّهم، وفي عروش مجدهم، تعنو لهم رقاب الدّنيا إجلالا وتعظيما، ويرضى عنهم الله؛ بأخذهم بكلّ ما أمرهم به من أسباب الصّلاح والفلاح والفوز والنّجاح.‘‘(2)

بفضل غريزة حبّ الظّهور الموجّهة توجيها سليما يمكن إرجاع الثّقة في النّفس، وتصحيح كثير من الأخطاء التّاريخيّة التي تنزل – دوما- قاسية على النّفس، فتحدث فيها انهيارا نفسيّا، فلا تقوى على المحافظة على مقوّماتها، وعلى مميّزاتها، فنستسلم للقوّة الخارجيّة، التي تسيّرها كيف تشاء. وبفضل هذه الغريزة: ’’يستطيع الفرد عن طريق دراسة التّاريخ أن ينفذ إلى أسرار شخصيته المحجوبة عنه.‘‘(3)

(1) - م. س، ص: 15.

(2) - م. ن.

(3) - علم التّاريخ، ص: 106.

٣١ / ٦٤