سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٣٢

إذا كان التّاريخ كفيلاً بتحقيق هذا الجانب النّفسي فكيف عالج الشّيخ هذه النّاحية؟ وكيف تتكوَّن الثّقة في النّفس بالتّاريخ؟

التّاريخ والثّقة بالنّفس

إذا كان الاستعمار أو العدوّ يحاول زرع روح الخوف والضّعف في القلوب، ويبذر بذور الوهن وعدم الثّقة بالذات في النّفوس، وبعمل على التّشكيك في الإنيّة، ويبذل جهده في قطع الصِّلة بالماضي، فإنّ التّاريخ يحاول بأسلوب نفسيّ وتربويّ متميّز القضاءَ على هذه السّلبيات، وقطعَ دابر هذه المحاولات، وبعث الحسّ الوطني والروح الانتمائيّة إلى الأصالة في النّفوس؛ وذلك ببثّ الثّقة بالنّفس في الأبناء، والاستئناس إلى الإمكانات، والكشف عن كوامن القوّة، عن طريق الاعتناء بتاريخ الأجداد بخاصّة؛ للوقوف على الحقائق الثّابتة، والاطمئنان إلى القدرة على الوصول إلى ما وصل إليه الآباء، لأنّ الظّروف واحدة، والعوامل متشابهة - تقريبا- و كذا البيئة. يقول الشّيخ محمد علي دبّوز: ’’ أمّا تاريخ أجدادك الذين نشؤوا في أرضك، فهم أبناء بيئتك الطّبيعيّة التي لا تتبدّل، وفي دمائك وراثتُهم، تلك الوراثة التي انحدرت إليك منهم، وهي بفضل إعمالهم لها في جهادهم أقوى ممّا انحدر إليهم من أجدادهم. ففيك من عوامل القوّة والنّجاح أكثر ممّا فيهم؛ فتثق بنفسك، فتسلك طريقهم، فتصل ما وصلوا.‘‘(1)

على ضوء العوامل التي ذكرها الشّيخ، التي من شأنها استرجاع الثّقة في النّفس يمكن فهم الحاضر ووعي سلوك الفرد فيه، وتفهّم المشاكل التي تعترضه، التي قد تكون من أسباب عرقلة نشاطه، والوقوف أمام طموحه، ومن أسباب انهزامه نفسيًّا. في هذا المعنى يقول الدّكتور جعفر سعادة:" فالغرض من التّاريخ هو تذكّر الماضي الذي هو السّبيل لتكوين الثّقة بالنّفس، وبالإمكانات والشّعور بأنّ فهم الماضي ضروريّ لإدراك الحاضر، وأنّ تكوين الوعي التّاريخي ضروريّ إذا أردنا فهم مشاكلنا الحاضرة والتّخطيط لمستقبل أفضل.‘‘(2) فالثّقة بالنّفس تحمل الإنسان على تحقيق طموحه بالعمل الإيجابي، كما

(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 16.

(2) - دور القراءات الخارجيّة في تدريس التّاريخ، ص: 20.

٣٢ / ٦٤