سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٣٥

الصّحيح الخالي من التّزييف والتّحريف والتّضليل كفيل بإزالة العقد النّفسيّة، التي تكوّنت في نفوس الأبناء نحو تاريخهم وإمكاناتهم النّفسيّة والعقليّة.

قال الشّيخ معلّقا على ما قام به المستعمرون والظّلمة في نفوس النّاشئة الإسلاميّة، وما يهدفون الوصول إليه: ’’ … ليخلقوا في نفوس أبنائنا عقائد سيّئة في أجدادهم، وعقدا نفسيّة، تصرفهم عن الاعتناء بتاريخهم، فلا يرون ما كان يرفل فيه المغرب في عهود دوله الإسلاميّة الزّاهرة من سعادة و هناء، ومن رقيّ وتقدّم، ومن عِزٍّ وسيادة، ومن ازدهار في كلّ النّواحي وتفوّق في كلّ الاتّجاهات.‘‘(1)

لهذه الحالة المأسويّة التي يسعى الدّخيل والمغرض، والمناهض للمسلمين إضفاءَها على حياة النّشءِ، … والتّضييق عليهم، يلجأ الشّيخ إلى التّاريخ لمسح آثار هذه المؤامرات من نفوس النّابتة بخاصة: ’’ ونُبيدُ من نفوسهم بالتّاريخ الصّحيح العقد النّفسيّة الموروثة، التي بثّها الاستعمار في نفوسنا ليمزّق شملنا. ‘‘(2)

حذّر الشّيخ كثيرا من تصرّفات بعض أبناء الإسلام – و أبناء المغرب الإسلامي بخاصّة - في زرع بعض العقائد الفاسدة في نفوسهم نحو تاريخهم وتاريخ آبائهم، وقد عدّها الدِّيناميت القتّال الذي يهدم مغربنا؛ ولهذا قال: " إنّ التّاريخ المغربي الإسلامي هو الذي يشفى هؤلاء الأبناء."(3)

ممّا يلحظه المتأمّل في نظرة الشّيخ إلى المسلك الحسن في إبادة العقد النّفسيّة، تركيزه على فكرة "التّاريخ الصّحيح ". هذه العبارة ذات أبعاد نفسيّة مهمّة، وذات دلالات فكريّة عميقة، وذات مفهومات دقيقة. يمكن للمرء أن يقف عندها، وعند مراميها من خلال ما يفقهه من كيفية تعامل الشّيخ مع شخصياته، والأحداث التّاريخيّة، ومن خلال ما يعيه من آرائِه الخاصّة، التي لها علاقة بالتّاريخ، التي كان يدعم بها نظراتِه ومفهوماته لمحتوى التّاريخ، ودوره وجدواه، كعلم النّفس والتّربية وعلم الاجتماع والبيئة …

(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 8، 9.

(2) - م. س، ص: 21.

(3) - يراجع تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّالث، ص: 9، 10. كما يجب الحذر ممّا بثّه بعض السُّذّج و بعض المحسوبين على الإسلام من سموم، و ما نقله بعض النّقلة غير الأمناء أو غير المؤهّلين عبر الأزمنة و الحقب التّاريخية، ممّا يخرج عن التّاريخ الصّحيح الذي دعا إليه الشّيخ، و هو ما سبّب تصدّعا في صفوف المسلمين. و أورث ضغائن و إِحَنًا، تضخّمت بمرور الزّمن. فليُعَد النّظر في هذه الكتابات برؤية إسلاميّة.

٣٥ / ٦٤