سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٣٦

في كتاباته نجد ما يشير إلى هذا التّاريخ الصّحيح، كالابتعاد عن آراء المستشرقين، أو على الأقلّ الحذر والحيطة ممّا يقولون، وتمحيص ما ينطقون به وينقلون قبل تثبيته فيما نكتب، وما نقرّره للأبناء، كما حذّر:’’من كتب التّاريخ الإسلامي القديمة، فإنّها مملوءة بأكاذيب الملوك و دعاياتهم الباطلة.‘‘(1) يضيف الشّيخ قائلا:’’ يجب أن ننظر بعقولنا، ونبحث بحثا منطقيّا خالصا، لا توجِّهنا فيه العواطف الموروثة، ونعتمد في أحكامنا على الأدلّة القويّة والبراهين السّاطعة والنّصوص الصّحيحة.‘‘(2)

إذن في سبيل كتابة التّاريخ الصّحيح، الذي يساعد على إزالة العقد النّفسيّة، والعقائد الفاسدة من نفوس الأبناء بالطّرق السّليمة، يجب أن لا تستبدّ بنا العاطفة في أثناء البحث عن الحكم، والتأمّل في الأحداث والسّير والواقعات؛ حتى نتمكّن من الوصول إلى الحقيقة، وكتابة تاريخ صحيح. لكنّ هذه العاطفة والحماسة يجب أن يتوفّرا للحكم، أي بعد الوصول إليه.(3) ’’ إنّ العاطفة و الحماس يجب أن لا يلابسنا في الحكم، لا للحكم، و يجب أن نخلو منهما أثناء البحث و التأمّل، لا بعد الحكم الذي نؤمن به والنّتيجة التي نتيقّنها.‘‘(4)

إنّ هذه الملاحظات مهمّة لإدراك حقيقة التّاريخ، وتقديمه بطريقه تحقّق الغرض منه، ومن روايته وقراءته. يضيف الشّيخ محمد عليّ دبّوز ملاحظة أخرى، لها وجاهتها، وهي في الوقت نفسه مجال للنّقاش والتّأمّل، وهو ما نعرضه فيما يأتي:

التّاريخ والإدراك الحسّي له

في الإفاضة في الحديث عن دور التّاريخ في التّربية، وأهميّته في توجيه الحياة العامّة، يلحّ الأستاذ محمد علي دبّوز على الجانب الحسّي في الإدراك والوعي والفهم؛ الذي يجسّم ويجسّد المعاني ويقدّمها بشكل

(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 24. ينظر تعليق الشّيخ على هجوم الملوك القدماء على المغرب و أسباب ذلك و نتائجه، ينظر المصدر السّابق، ص: 33 و ما بعدها.

(2) - م. س، ص: 24.

(3) - أشار الشّيخ محمد علي دبّوز إلى ذلك في حديثه عن الحماسة للفضيلة، و إظهار المقت و الكره للرّذيلة.

(4) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 24. هل تمكّن الشّيخ من تطبيق هذا المعيار في كتاباته تطبيقا كاملا؟

٣٦ / ٦٤