سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٣٧

محسوس، بعيدا عن التّجريد، انطلاقا من أنّ الإدراك الحسِّي في الإنسان أقوى من الإدراكِ المعنوي(1). لذا يجب استغلال هذا الجانب فيه من النّاحية النّفسيّة؛ لبلوغ الأهداف المسطّرة في التّربية و التّوجيه: ’’ والتّاريخ هو الذي يرسم في خيالنا ذلك المحسوس الواقع، فلذلك كانت آثاره أبلغ وأرسخ من آثار الوعظ والإرشاد النّظري، الذي لا يقترن بالقصص التّاريخية وبالحكايات التي تجسّم معانيه.‘‘(2)

نلحظ في مقولة الشّيخ ملاحظة، جديرٌ بنا أن نقف عندها ونتأمّلها – و هو يتدرّج معنا في الإدراك والوعي وتحقيق الغاية في التّربية- إنّها فكرة اللّجوء إلى الخيال؛ عاملاً نفسيًّا في التّربية والتّوجيه. هذا الخيال الذي يعظّم لنا الفضائل في نفوسنا، ويضخّم لنا مظاهر النّجاح والتّفوق في هؤلاء النّاس الذين نقرأ حياتهم، ونتأمّل في مسيرتهم. وفي هؤلاء الأشخاص الذين يُعرَضون علينا لِلاقتداء والاتعاظ بهم؛ حتى نطمح في الوصول إلى ما وصلوا إليه، ونرغب ونعمل بكلّ جدّية و إخلاص لِتسنّم ذروة المجد مثلهم. هذا الخيال الذي يبالغ في تصوير الأحداث التي تقدّم إلينا؛ للإفادة منها واستثمارها في مستقبل أيّامنا … إنّ هذا ما يرجى من التّربية.

قد تقصر المشاهدة العينيّة البصريّة عن تحقيق ما يطلب تربويّا من التّاريخ؛ لأنّ الإدراك الحسّي، حتىّ و لو كان مهمًّا في مجال التّربية، إلاّ أن هناك عنصرا أو درجة أرقى وأجدى – أحيانا- في هذا المجال، وهو الخيال الذي يهوّل من المسائل لأجل بلوغ الأهداف المرسومة: ’’ ولعلّ التّاريخ الذي يرسم في خيالنا عظماءَه ومختلف شخصياته، يجعلنا أكثر تأثّرا ممّا لو شاهدنا أولئك بعيوننا، لأنّ الخيال قد يزيد في الصّورة فتكون أكثر ممّا هي في الواقع، ويُضفِي عليها من تهاويله، ما يجعلها أحسن ممّا هي في الحقيقة. والتّاريخ يقدّم إليك الشّيء مشروحا ظاهر الأسرار، بيّن الخفايا، فتدرك كلّ حقيقته، فيكون تأثّرك بالغا

(1) - قضيّة الإحساس و الإدراك و ماهيتهما و العلاقة بينهما، لا نناقشها هنا لأنها بحث نفسي و فلسفي، يُعْنَى بها علم النّفس و الفلسفة، و آراء العلماء والدّارسين فيها مختلفة، و بخاصة بين المدرسة السّيكولوجيّة التّقليدية و مدرسة علم النّفس الحديثة، ونحن نتساءل: هل استعمال الشيخ لهذه العبارة " الإدراك الحسّي " استعمال صحيح؟ هل يمكن أن نقول الإدراك الحسّي؟ أم الحسّ الإدراكي؟ هل لا يجوز هذا ولا ذاك؟ يراجع لمزيد من التّوضيح جمال الدّين بوقلي حسن، قضايا فلسفيّة، ص: 291 و ما بعدها.

(2) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 20.

٣٧ / ٦٤