مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣٨على حسب الإدراك، أمّا الحوّاس فقد لا تطلعك إلاّ على الظّواهر، فترى الرّجل العظيم، فلا تعرف إلاّ بعض مزاياه أو لا تعرف عنه شيئا، فتظنّه من عرض النّاس، وهو زعيم قومه، وعبقريّ فذّ في أمّته.‘‘(1)
قد يبدو الشّيخ محمد علي دبّوز في تقرير هذه الفكرة متناقضا مع نفسه. فمن جهة يثبت للإحساس دورا مُهمًّا في الإدراك، ومن جهة أخرى ينفيه عنه، وينسبه للخيال، الذي يعمل على التّهويل والتّضخيم. أَيمكن لنا أن نقرّر ذلك، أم نقول: إنّ الشّيخ يريد أن يتدرّج معنا في مراتب الإدراك لدى النّشء بخاصّة، من الإحساس إلى الخيال الذي يفتح باب التّصوّر؛ بقدر ما يملك الشّخص من قوّة التّخييل، وبقدر ما يتمتّع به من درجات الوعي بحقيقة التّربية، وبأهمية الأهداف التي ينبغي الوصول إليها، وبقدر وفرة العوامل المعينة على تبنّي هذا النهج في التّربية و التّوجيه؟
مهما يكن التّأويل الذي نعطيه لهذه الفكرة، التي يريد الشّيخ تقريرها وتقديمها لنا، وتثبيتها في أذهاننا، فإنّنا نسجّل: إنّه كان حريصا على بيان أنّ التّاريخ وسيلة نفسيّة مهمّة في التّربية، تحتاج إلى أساليب متنّوعة ومتعدّدة؛ لكي نُفيد منه. لا نستطيع أن نحكم على هذه الفكرة بالتّناقض، أو أن نصدر فيها حكمًا خاصًّا. ما دامت آراؤه بصفة عامّة لم تدرس بعد دراسة معمّقة.
التّاريخ والذّاكرة
ممّا ركّز عليه الشّيخ كثيرا في مجال التّاريخ قوّة الذّاكرة، التي تتقوّى وتنمو بفضل التّاريخ، وما يتّصل به. هذه الذّاكرة التي لا بد منها في حياة الإنسان، وإلاّ كانت (هذه الحياة) مضطربة ومشوّشة، وغير طبيعية.
ينطلق الشّيخ من منطلق أنّ التّاريخ أصعب الفنون رسوخا في الذّاكرة؛ لذا يجب أن نتّبع معها سبلا وطرقا، تمكِّننا من المحافظة على ما يقدّم لها من المسائل التّاريخيّة، أو يُستودَع فيها من الواقعات والذّكريات، حتّى يُفادَ من هذه الذّكريات في الوقت المناسب؛ حين استدعائها. يرى الشّيخ أن ذلك يستلزم أمورا هي:
(1) - م. ن. حتى ينجح المربّي في مهمّته بالتّاريخ يجب أن يتمتّع هو بخيال المؤرّخ الذي يعطيه ’’ القدرة على تصوّر الماضي وكأنّه حاضر ‘‘ ينظر بحث في مفهوم التاريخ و منهجه، ص: 74.