سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٤٣

وتضمن يقاءها واستمرارها، إذا ما شُوِّه تاريخها وافتري عليه، ولا يتيسّر للأجيال أن تبقى في النّهج القويم، تترسّم خطى أجدادها وأسلافها، إذا ما جهلت تاريخها. فالشّاعر الثّائر رمضان حمّود يقول: " إذا ما جهلت أمّة تاريخها فقد جهلت مستقبلها، وإذا ما جهلت مستقبلها فقد أسرت نفسها وألقت بها في يد غيرها".

انطلاقًا من هذا المفهوم قام الأستاذ قيام المربّي المحنّك، الذي يعرف دور التّاريخ في تربية الأجيال، وتنشئتهم تنشئة، تساعدهم على النّموّ نموًّا سليمًا من كلّ عقدة، فشمّر عن ساعد الجدّ ليبدأ رحلة طويلة شاقّة في سبيل تحقيق الهدف المنشود.

كانت الرّحلة متعبة ومرهقة، عقّد منها كثرة الافتراءات والادّعاءات، وانخداع بعض الكتّاب المخلصين بما ألّفه المتعصّبون، فردّدوا – عن حسن نيّة – ما قال هؤلاء، فكانت الأجيال النّاشئة هي الضّحية. وصعّب من المهمّة قلّة المصادر المكتوبة، التي يطمأنّ إليها، والجهل والغموض اللّذان اكتنفا بعض الفترات من تاريخ الجزائر على الخصوص … فكانت لذلك مصادر شيخنا بشرية في الدّرجة الأولى، ووثائق وكتبًا مخطوطة، ورسائل متبادلة مخزونة في المكاتب الخاصّة، ومضروبًا عليها بأسوار من حديد، ومخفيّة عن العين، لا تصل إليها الأيدي إلاّ بعد جهد جهيد، ومحاولات متكرّرة ملحّة في الطّلب، كما كانت دائرة بحثه واسعة، تتوزّع بين القاهرة وتونس والجزائر شمالها وجنوبها. فكان على الأستاذ أن يكثر التّجوال والتّرحال، ويطيل المكوث في المكتبات الخاصّة والعامّة، ويديم الجلوس إلى الأساتذة والمشايخ، وكلّ من شارك في الأحداث أو عاصرها ..

في كلّ ذلك كان مستفسرًا وباحثًا ومنقّبًا في المخطوطات والمطبوعات، مستنطقًا الوثائق، مسترشدًا بالمكاتبات والمراسلات الخاصّة، مقارنًا بنفسية المؤرّخ المدقّق الباحث عن الحقيقة، تحدوه في كلّ ذلك إرادة وعزيمة قويّة، لم يفتّ في عضده المشاكل والصّعوبات، ويدفعه إلى القيام بالواجب إخلاص كبير لأمّته وأمجاده، حتّى تمكّن من إخراج كتابه القيّم:" تاريخ المغرب الكبير "، الذي كان له صدى كبير في الأوساط العامّة والخاصّة، فقد استقبل أحسن استقبال؛ إذْ كتبت عنه الصّحف والمجلاّت في مختلف أقطار الوطن العربي، وتحدّثت عنه الإذاعات، وقرّظته، ونوّهت به وبأهمّيته.

٤٣ / ٦٤