سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٤٩

الآثار التي نريد في التّلميذ. أمّا البيئة الاجتماعية الواقعية، فقد لا تطاوعنا ولا نستطيع أن نجد فيها كلّ ما نريد، وإذا وجدنا فإنّه لابدّ أن يشوبه ويقترن به كثير من الأشياء السّيّئة التي لا نريدها، فيتأثّر التّلميذ بها فيتّصف بصفات تضعف أخلاقه الحسنة، وتقلّل نجاحه في الحياة، أمّا في التّاريخ فإنّنا نستطيع اختيار العصور الزّاهرة والشّخصيات العظيمة، كالرّسول - صلى الله عليه وسلم - والصّحابة والتّابعين والسّلف الصّالح ورؤساء دولنا وكبار علمائنا، ونختار من التّاريخ ما هو حسن، فنجعله بيئة للتّلميذ، ينغمس فيها ويشغف بها، ويعاشرها بالقراءة اللّذيذة والدّرس العميق، إنّ التّاريخ لهذا أحسن من البيئة الاجتماعية الواقعية، التي قد لا نستطيع أن نعزل منها ما لا يرضينا، ولا نجد فيها كلّ المثل العليا التي نريدها.

لعلّ ما لاحظه الأستاذ محمد علي دبوز من الانقلابات الخطيرة التي حدثت في المحيط الاجتماعي، وما ساده من أخلاق بعيدة عن الرّوح الإسلامية، ومن انحرافات، لا تقوى على أن تنشئ لنا أجيالاً مستقيمي السّيرة، بتّصفون بما يتّصف به الرّجال الذين تقوم عليهم مسؤولية قيادة الأمّة، وبناء الوطن، إذ يصعب على المربّي انتقاء ما يخدم شخصية الطّفل وينمّيها، وصرفه عمّا يهدم فيه مقوّماتها … لعلّ هذا الذي جعله يعتقد أنّنا نستطيع أن نجبر هذا النّقص ونتلافى هذه السّلبيات بالتّنقيب في ذاكرة الزّمن، وفي أعماق الماضي عن المواقف المشرّفة، وما يكون قدوة للطّفل يساعده على تشكيل شخصيته وبناء نفسه، فنهيّء له البيئة الحسنة الصّافية الرّاقية، التي يترعرع وينشأ فيها ما دمنا عاجزين عن التّحكّم في البيئة الواقعية. وهو رأي له وجاهته ونصيبه من الصّحة؛ إذا نظرنا إليه من جانب التّربية والتّوجيه. يبقى للمتخصّصين أن يبدو وجهات نظرهم فيه.

- إنّ التّاريخ أجدى في التّربية، وفي غرس الأخلاق الحسنة، ونبذ الأخلاق السّيّئة، من دروس الأخلاق النّظريّة، ومن الوعظ والإرشاد النّظري.

- التّاريخ للاتّعاظ والاعتبار، فيجب أن نقف في هفوات الأجداد، وما أثار الأعاصير عليهم، فنصوّره للأحفاد ونحذّرهم منه.

- التّاريخ للتّربية العقلية، فيجب أن نعمل فيه عقل التّلميذ كلّ الإعمال، فنكلّفه أن يستنبط من المقدّمات التي سمعها ما تقتضيه من نتيجة.

٤٩ / ٦٤