مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٥١أتساءل هنا: كيف يمكن عدُّ التّاريخ فنًّا فلسفيًا وعلميًا وأدبيًا؟ وكيف يمكن أن تجتمع هذه الصّفات في مسمّى واحد؟ لست أدري ماذا يقول زملاؤنا المشتغلون بالتّاريخ في هذا التّعريف؟ فهم من ذوي التّخصّص.(1)
- يجب أن لا يسند تدريس التّاريخ لمن شخصيته علمية محضة؛ فإنّه يقتله، ولا تجدي معلوماته الغزيرة فيه، وذاكرته المحشوّة بمادته.(2)
هذه بعض الآراء التي نقلناها عن أستاذنا محمد علي دبّوز في التّاريخ، ودوره في التّربية والتّوجيه. وهي تكشف عن تجربة كبيرة في الميدان، وعن تفهّم عميق لرسالة المربّي، الذي يتوخّى السّبل القويمة والطّرق النّاجحة في التّربية، وتُبينُ عن وعي كبير لفائدة كتابة التّاريخ، وتُبرز الاهتمام العظيم بتوجيه الأجيال لتحقيق الأهداف النّبيلة؛ بجعلهم يتمثّلون الأصول الحقيقية، ويتشرّبون المبادئ الأصيلة، التي تساعدهم على تمييز ذواتهم، والوقوف على إنيّاتهم، وذلك عن طريق الاطّلاع الجدّي على مناقب الأجداد ومآثر الآباء، والوقوف على أخطائهم، ومحاولة الاستفادة منها لضمان السّير الحسن في دروب هذه الحياة الوعرة الملتوية.
هكذا ومن خلال هذه الآراء، نلاحظ أن ّ الأستاذ محمد علي دبّوز كان حريصًا على أمور أساسية:
1 – دراسة حياة العظماء دراسة نفسية، تهدف إلى سبر أغوار شخصياتهم، والوقوف على أهمّ ما تمتاز به، والتّنويه بالأدوار التي قامت بها في معترك الحياة، وربط كلّ ذلك بالميول الفطرية والمواهب والظّروف النّفسية والاجتماعية، التي مرّت بها؛ حتّى يستفاد من تجاربها، وتؤخذ الدّروس والعظات من أعمالها؛ لأنّ التّاريخ للتّأسّي والاتّعاظ. والمنهج نفسه يجب أن نسلكه في تحليل الأحداث، ونقد المواقف.
الأستاذ محمد علي دبّوز بصفته مربّيًا وأستاذًا في علم النّفس، ولكونه مؤرخًا، كان ينظر إلى حياة العظماء من زوايا متعدّدة، من خلال معطيات عديدة، وكان يسقط مجموعة من النّظريّات على شخصياته، حتّى يحقّق قصده من التّاريخ، من أخذ العبرة، ورسم طريق العمل أمام النّشء.
(1) - عرّفه في موضع آخر هكذا: " التّاريخ علم أدبي اجتماعي فلسفي"، ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 113.
(2) - ينظر تاريخ المغرب الكبير ج2، ص: 23، 24.