مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٥٢ربّما تكون هذه الرّغبة والإخلاص منه، قد جعلاه يسرف أحيانًا في نقل الحقائق، ورواية الأحداث والواقعات والوقائع، ويبالغ في التّقدير والتّصوير، ممّا جعل بعض النّاس يرون في جزء من كتاباته حشوًا لا فائدة منه.
2 – تقديم دروس التّاريخ في أسلوب أدبي، وتحليل عميق، وبلهجة خطابية مؤثّرة، لتحقيق الهدف المرجوّ منه وهو التّربية والتّوجيه، فرغب في تقديمه في حلّة قشيبة، تجلب النّاس إليه، وتقرّبهم منه، وفي تلقينه بطريقة تؤثّر فيهم وتحمّسهم لمزيد من الاطّلاع عليه؛ بغية الاستفادة منه، لأنّه لو قدّم بغير هذه الطّريقة – حسب نظره – لغدا سردًا للحقائق الحافّة، التي لا يرغب فيها النّاس، لهذا نجده – أحيانًا – يسرف في إيراد التّشيهات، والإغراق في تقديم الصّور الشّعرية، والتّحليق في أجواء الأدب الرّفيع؛ وذلك بحكم نشأته الأدبية، واحتكاكه بكبار الأدباء، والهيام بما أنتجوه وأبدعوا فيه، وتأثير ذلك في نفسه. ولما يمتاز به من خفّة الرّوح وميل إلى الظّرف والنّكتة، فرأى أن يقدّم حقائق التّاريخ بهذا الأسلوب الطليّ، حتّى يزيل عن النّفس الكآبة والابتئاس، اللّذين ينتابان من يقرأ أو يسمع عن الأحداث الدّموية والدّامية، ولهذا – أيضًا – حرّم إسناد تدريسه لمن يتميّز بشخصية علمية محضة. اجتهد الأستاذ فأصاب عند بعض، وأخطأ عند آخرين.
3 – محاولة الاستفادة من التّاريخ، وتركيز العناية بجانب الاعتبار والتّأسّي، واستغلال هذا التّاريخ في التّوجيه والتّعامل معه تعاملاً، يكشف عن الاهتمام والوعي. - فحسب رأيه - يجب إظهار علامات الإعجاب والرّضا، إذا كان الموقف يتطلّب ذلك، والتّحمّس للفضيلة والمواقف المشرّفة والعظيمة، وإظهار التّحسّر والتّذمّر والاستنكار للرّذيلة والمواقف المخزية؛ حتّى نركّز حبّ الخير في النّشء، ونقضي على دواعي الشّرّ والرّذيلة فيه.
ربّما يستنكر مثل هده التّعاطف، وهذا التّعامل مع التّاريخ بعضُ المهتمّين به؛ لاشتراطهم الموضوعية في نقل الأحداث. نقول لهؤلاء: إذا سلّمنا لأستاذنا ووافقناه في اعتقاده بأنّ التّاريخ وسيلة تربوية، ووعينا معنى التّربية، وجب أن نقرّه على هذا النّهج، ونؤّد رأيه، ونسهم معه في هذا السّبيل، أمّا إذا كان لنا رأي غير هذا، فيجب أن نكشف عنه. أحمد شوقي نفسه يقول: