سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٥٧

بطباعهم، وذلك من خلال اطّلاعنا على ما خلّفوه من تراث، يتمثّل في قيمهم. وسلوكهم وأخلاقهم، وما سجّلوه من مواقف، وما تركوه من آثار أدبية وفكرية، تتضمّن آراءَهم ونظراتهم في الحياة والكون، وإلى حقيقة العمل والسّلوك في خطبهم ووصاياهم ورسائلهم وأحاديثهم.

ما دام للتّاريخ هذه المكانة وهذا الدّور، فهو الذي يسعى إلى توجيهنا. كما يقول الشّيخ محمد علي دبّوز: " فيكون وجدانًا لنا، يذكي فينا الحماس لمثلهم العليا، فنعمل لتحقيقها، والرّغبة في طريقتهم المثلى، وفي نهجهم القويم، فنتمسّك به، ونندفع فيه، فنصل الدّرجة الرّاقية، التي كان عليها الأجداد، ونكون مثلهم في العزّة والإباء، وفي الطّموح والمحاولة، وفي العمل والكدّ، وفي الإخلاص والإتقان، وفي العمل لله. وتلك هي أسباب النّجاح والتّفوّق، وعوامل القوّة والتّقدّم ".

بالتأمّل في هذه النّظرة وهذا التّقرير، نكتشف حرص الشّيخ الكبير على إعداد الشّخصية القويّة المتماسكة، التي تقوى على المجابهة والمقاومة. ومن بعدها تتمكّن من المحافظة على أصالتها، وعلى قوّتها وجدارتها في ضمان البقاء، بل الاستمرارية في التّطوّر والتّقدّم

لهذه الغايات التّربوية التي تتحقّق بالتّاريخ، يقول محمد علي دبّوز عن الصّفات التي يكتسبها الشّخص من البيئة الاجتماعية الرّاقية من تاريخ السّلف: " ولا يتّصف بها إنسان إلاّ تغيّر حاله، وتبوّأ أرفع الدّرجات في كلّ النّواحي، وكان الله معه ليحقّق له كلّ الآمال، فيكون هو السّيّد الذي يسود غيره، والذّروة التي تشمخ على سواها، فلا يستطيع عدوّ كاشح أن يخضعه، ولا لصّ مخاتل أن يحتلّ داره، ولا مستعمر غشوم أن يتسلّط عليه.

من هذه العبارات الواردة في النّصّ يتبيّن لنا أنّ الشّيخ يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التّاريخ لحماية الكيان، والمحافظة على الشّخصية، وردّ العدوان عنها. وقد انطلق في هذا من حقيقتين:

1 – أنّ الإنسان مركّب من غرائز، وميول فطرية، مثل غريزة حبّ الظّهور والتّقليد والخوف والمشاركة الوجدانية. هذه الغرائز الفطرية هي أساس تربية الفرد، وأخلاقه، وتغيّره، وتطوّره، وبلوغه. وتطبعها بطابعها، حسب ما يجده الفرد من توجيه خاصّ، وإمكانات لتهذيب تلك الغرائز، وتلك الميول الفطرية. فإذا ما أسيء توجيهها نشأ الإنسان منحرفًا، على طريقة من يختلط بهم ويعاشرهم، ويكون

٥٧ / ٦٤