سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٥٨

نسخة ممّن نشأ معهم، وتأثّر بهم؛ لأنّ التّوجيه كان خاطئًا، والإمكانات المسخّرة كانت غير صالحة، بينما البيئة التّاريخية يمكنها تعويض تلك النّقائص.

يتأكّد رأي الشّيخ محمد علي دبّوز بما قرّره بعض الدّارسين من أنّ على المؤرّخ تقع مسؤولية كبيرة في الاتّجاه الذي يجب أن تسير فيه الأمّة، يقول الدّكتور فاروق عمر: " فالمؤرّخ أيّ مؤرّخ ينتمي إلى أمّة، عليه أن يكون مخلصًا لأمّته مواليًا لها، مثل ولائه للحقيقة وللإنسانية، وعلى المؤرّخ تقع مسؤولية تبصير مواطنيه بقضاياهم المصيرية، والأزمات المرتقبة، وأن يقف إلى جانب أمّته منذرًا ومبشّرًا ومشجّعًا ".

ما لاحظه الشّيخ من هجوم الأعداء الحاقدين على الشّخصية الإسلامية، وما لمس من استهانة أبنائها بها، الذين لم يشربوا حبّها، ولم يدركوا حقيقتها. وما رآه من التّشكيك في أصالتها، من بعض مهزوزي الوجدان، ورقيقي الإيمان، وضعيفي الوطنية … فخاف على هذه الشّخصية أن تتفكّك وتنهار، إن اعتمد فيها على البيئة الواقعية الموبوءة، أو غير القادرة على حماية هذه الشّخصية، وتعزيز مكانتها في نفوس المنتمين إليها، لذلك حذّر من العدوّ الكاشح، واللّصّ المخاتل، والمستعمر الغشوم أن يتسلّط عليها، وذلك باللّجوء إلى البيئة التّاريخية، التي تفوّت الفرصة على هؤلاء، عوضًا عن البيئة الاجتماعية التي تكون عاجزة – غالبًا- عن القيام بهذا الدّور، بل أحيانًا يشوبها ويقترن بها كثير ممّا يضعف أخلاق الفرد، ويقلّل من نجاحه في الحياة.

إذًا يجب الاعتناء بالتّاريخ في البيوت، والمدارس، والمجتمع؛ فبه نستطيع كما يقول محمد علي دبّوز:" اختيار العصور الزّاهرة والشّخصيات العظيمة، كالرّسول - صلى الله عليه وسلم - والصّحابة والتّابعين والسّلف الصّالح، ورؤساء دولنا، وكبار علمائنا، ونختار من التّاريخ ما هو حسن، فنجعله بيئة للتّلميذ، ينغمس فيها، ويشغف بها، ويعاشرها بالقراءة اللّذيذة، والدّرس العميق. إنّ لهذا أحسن من البيئة الاجتماعية الواقعية، التي قد لا نستطيع أن نعزل منها ما لا يرضينا، ولا نجد فيها كلّ المثل العليا التي نريدها."

إنّ الشّيخ يقتدي – في هذا السّبيل – بالقرآن الكريم، الذي يعتمد أسلوب القصّ التّاريخي وسيلة من وسائل التّربية، فيطلعنا على صبر أيّوب، ويقين إبراهيم، وعفّة يوسف، ونسك عيسى، وعظمة محمد، ويكمل لنا ما يعوز بيئتنا الاجتماعية بذلك التّاريخ.

٥٨ / ٦٤