سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٥٩

ويضرب الأمثلة في نجاح هذه الوسيلة التّربوية (التّاريخ) بما كان يقوم به مشايخه، وبخاصّة أستاذه الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض. يقول عنه:" إنّ غرض الشّيخ بيّوض هو تربية العامّة وتهذيبها وتثقيفها بتاريخ الصّالحين؛ لأنّ التّاريخ، سيّما تاريخ الرّسول والصّحابة وتاريخ المغرب، من أحسن العلوم التي تثقّف العقل، ثمّ إنّه أكبر واعظ بالمحسوس، الذي يتأثّر به الإنسان أكثر، وإيمانه به أقوى. وقد أكثر القرآن من ذكر القصص التّاريخي في أغلب سوره؛ لأنّ التّاريخ أحسن واعظ للإنسان، سيّما إذا كان تاريخ أجداده، وقع في أرضه، كَسِيَر مشايخ المغرب وتاريخ زمانهم المجيد."(1)

إنّ من شأن تلك الأخلاق التي نستقيها من التّاريخ، ومن سيرة أصحابها التي نكرّرها، ونتأمّل فيها أن يساعدنا على التّربية الحسنة؛ بترسيخ تلك الفضائل في نفوسنا، مستفادة من ناسٍ أفاضلَ أخيارٍ، عدواها لا شكّ ينتقل إلينا، فنكون على غرار من نقرأ تاريخهم، وننشأ على منوالهم.

لعلّ ما لاحظه الأستاذ محمد علي دبّوز من الانقلابات الخطيرة التي حدثت في المحيط الاجتماعي، وما ساده من أخلاق بعيدة عن الرّوح الإسلامية، وما رآه من انحرافات لا تقوى على أن تنشئ لنا أجيالاً مستقيمي السّيرة، يتّصفون بما يتّصف به الرّجال الذين تقوم عليهم مسؤولية قيادة الأمّة، وبناء الوطن؛ إذ يصعب على المربّي انتقاء ما يخدم شخصية الطّفل، وينمّيها تنمية سليمة، وصرفُه عمّا يهدم فيه مقوّماتها.

لعلّ هذا هو الذي جعله يعتقد أنّنا نستطيع أن نجبر هذا النّقص، ونتلافى هذه السّلبيات بالتّنقيب في ذاكرة الزّمن، وفي أعماق الماضي عن المواقف المشرّفة، وما يكون قدوة للطّفل، يساعده على تشكيل شخصيته، وبناء نفسه، فنهيّء له البيئة الحسنة الصّافية الرّاقية، التي يترعرع وينشأ فيها، ما دمنا عاجزين عن التّحكّم في البيئة الواقعية. هذا رأي له وجاهته ونصيبه من الصّحة، إذا نظرنا إليه من زاوية التّربية والتّوجيه. يبقى للمتخصّصين أن يبدو وجهة نظرهم فيه.

2 – في سبيل الوصول إلى الأهداف التي يصبو إليها الشّيخ محمد علي دبّوز بواسطة التّاريخ – وهي أهداف تربوية خالصة – ينبّه إلى أمر مهمّ، وهو دراسة الشّخصيات التّاريخية، التي تتوفّر على قيم، وعلى

(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 116، 117. لم نشر إلى مصادر بقية النّصوص، لأنّها مأخوذة كلّها من كتاب واحد هو: تاريخ المغرب الكبير، ج2. تراجع في الصّفحات:13 – 27.

٥٩ / ٦٤