مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٦كان للأستاذ قلمٌ سيّال، ومقدرة كبيرة على تحرير الفصول الأدبيّة، وكتابة المقالات المطوّلة، وقد تجلّى هذا بوضوح على صفحات "جريدة الشّباب "(1)، التّابعة لمعهد الحياة، والتي كان الطّلبة ينشرون فيها مقالاتهم. وكان المرحوم – وهو طالب – ممّن أسهم إسهامًا كبيرًا في تطويرها؛ إذ كان يشارك فيها باستمرار بمقالات في الأدب والنّقد والتّاريخ … ومن أمتع ما يمكن للقارئ أن يطّلع عليه في هذه الجريدة المعاركُ الأدبية التي كانت تدور بين الطّالبين (الأستاذين) عليّ يحي معمّر ومحمد عليّ دبّوز. وهي تندرج ضمن المعارك، التي كانت تدور بين العقّاديّين والرّافعيّين، وهي سلسلة مقالات كان لها دور كبير في تكوين الطّلبة أدبيًّا ولغويًّا. كما كانت للشّيخ أيضًا مشاركات عديدة في جريدة البصائر (التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) نشر فيها عدّة أعمال أدبيّة.(2)
الشّيخ محمد عليّ دبّوز إلى جانب ذلك شخصية مرحة، تميل إلى النّكتة والطُّرفة والدّعابة الظّريفة. وكم كنّا نتمنّى – ونحن طلبة – أن نلتقي معه في قاعة الدّرس، أو يجمعنا به مجلس ليمتعنا بجانب من طرائفه، أو يسمعنا بعضًا من نوادره المسلّية.
كما كان الأستاذ مثالا للنّظام والانضباط، والحرص على الوقت، والمحافظة على المواعيد؛ حتّى أصبح مضرب الأمثال في هذا المضمار.
لقد حمل المرحوم على كاهله عبئًا ثقيلاً، تمثّل في محاولة جادّة لإعادة كتابة تاريخ الجزائر والمغرب العربي، وإنقاذه من الضّياع والفناء. فبعد مرحلة التّحصيل انكبّ على التّأليف، وأعطى كلّ نفسه ووقته، بل وضحّى براحته وصحّته في هذا السّبيل، يبحث وينقّب ويكتب، هدفه الوحيد تبصير الأجيال بتاريخهم المجيد، وإزالة الغشاوات التي رانت وترين عليه.
كان عمله شاقًّا؛ لأنّ المصادر كانت شبه منعدمة، وما كُتِب عن المغرب العربي كان بأقلام مغرضة، وبأساليب ملتوية، مشوّهة للحقائق، لأنّ كتّابه كانوا إمّا مستعمرين أو مستشرقين حقودين على الإسلام والعرب، أو جاهلين للتّاريخ. يقول الأستاذ أنور الجندي: " … وقد صوّر المؤلّف كيف كان هذا العمل صعبًا كلّ الصّعوبة، وكان طريق هذه العهود مطموسًا، والسّبل غير معبّدة، وأغلب من كتبوا في تاريخ
(1) - نشر في جريدة الشّباب حوالي ستّ وستّين مقالة. ما بين شهر نوفمبر 1935 وشهر جوان 1942م ومقالين في مجلّة الشّباب.
(2) - نشر في جريدة البصائر الثّانية حوالي سبع وثلاثين مقالة، ما بين شهر جانفي 1948 و شهر مارس 1956م.