مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٧المغرب من المحدثين قد اغترّوا بالمصادر المزيّفة، فردّدوا أغلاط المؤرّخين القدماء، فكان عليه أن يكتب فصولاً جديدة؛ معتمدًا في ذلك المصادر الصّحيحة، وإن كان يسلك طريقًا غير معبّدة"(1)
هكذا وجد الأستاذ محمد عليّ دبّوز نفسه أمام مسؤولية عظيمة، وعمل مُضنٍ. كان عليه أن يشمّر عن ساعد الجدّ، ويكثر التّرحال والتّجوال، ويطيل المكوث في المكتبات، ويديم الجلوس إلى الأساتذة والمشايخ، ومن عاصر الأحداث، أو شارك فيها. وقد كانت مصادره بشريّة في كثير من الأحيان.
فعلاً أمضى مدّة طويلة؛ متنقّلاً بين المكتبات العامّة والخاصّة، في كلّ من الجزائر وتونس ومصر وغيرها؛ باحثًا ومنقّبًا في المخطوطات والمطبوعات، ومقارنًا بنفسية المؤرّخ الباحث المدقّق، حتّى تمكّن من إخراج كتابه القيّم:" تاريخ المغرب الكبير "، والذي كان له صدًى كبير في الأوساط العامّة والخاصّة. وقد استقبل أحسن استقبال؛ إذ كتبت عنه الصّحف والمجلاّت في مختلف أقطار الوطن العربي، وتحدّثت عنه الإذاعات، وقرّظته ونوّهت به وبأهمّيته، وعدّته موسوعة، كما ارتأى تسميته بذلك كلّ من الأستاذين محمد عطية الأبراشي وأنور الجندي. ويكفيه شرفًا انّه أوّل كتاب عربي جزائري يطبع بعد استقلال الجزائر.
في مقدّمة الجزء الثّاني من الكتاب يذكر الأستاذ محمد علي دبّوز الأسباب التي دفعته إلى تأليف الكتاب: " … عزمت أن أكتب شيئًا في تاريخ المغرب الكبير بأسلوب أدبي وتحليل فلسفي، وببحث علمي نزيه، يليق لمطالعة مثقّفينا، ويكون مرجعًا ومصدرًا لجامعاتنا ومدارسنا، ويصفّي أبواب تاريخ المغرب التي كدّرتها ودنّستها أكاذيب السّياسة القديمة، ودعايات المستعمرين وسمومهم، فصارت خطرًا على المغرب، ومنبعًا للسّموم، التي تكدّر صفاءَه، وتفرّق جماعته، وتُمكِّن الحسّاد والدّسّاسين من بثِّ الفرقة والشّقاق في مغربنا الحبيب، فكتبت في سنة (1370 – 1372هـ) (1951 – 1953م) مسوّدة الأجزاء الثّلاثة الأولى من " تاريخ المغرب الكبير"، فصرت أفكّر في طبعها، ولكنّني أبيتُ أن أفرغها في القالب النّهائي وأعدّها للطّبع قبل أن أقوم بجولة واسعة في لأطّلع على كلّ ما أستطيع الاطّلاعَ عليه من كتب تاريخ المغرب، سيما المخطوطات القديمة، فزرت في عطلة الرّبيع سنة (1373هـ/
(1) - أنور الجندب، الفكر والثّقافة المعاصرة في شمال إفريقيا، ص:311.