سلسلة من فكر العلماء العاملين (3): بناء الفرد في فكر الشيخ حمو فخار محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (3): بناء الفرد في فكر الشيخ حمو فخار

الجزء ١ · صفحة ٢٦

من دون هذا الضّمير الدّيني،(1) لن ينفع أيّ توجيهٍ يؤتَى بهِ، ولن يُظْفَرَ بأيّ ضمير – مهما يكن لونه وطبيعته - يُسْعَى إلى تكوينه، فكلّ ضمير يُصْبَغُ بأيّة صبغة، مهما تلوّنت، أو تُعْطَى له أيّة تسميّة مهما تشكّلت … لن تفيد في البناء إذا لَمْ يهيّئها الضّمير الدّيني، بل سيتلوّن هذا الضّمير – في غياب هذا الشّكل – بحسب الأمزجة، ويتقلّب بحسب الأهواء، ويتشكّل بحسب الظّروف والتوّجيهات والضّغوط. قال الشّيخ حمّو: " ليس هناك ضمير مهني ثابت، على كلّ حال، لمن لا يملك الضّمير الدّيني، - ولو كانَ دينًا خرافيًّا -، فدين خرافي خير من لا دين، والأخوةّ الصّادقة، والوفاء والإحسان والإتقان والانضباط والإتمام والإكمال … كلّها وليدة الضّمير الحيّ اليقظ، ولن يكون الضّمير يتحرّى ويراعي حدودَ اللهِ، إلاَّ إذا تشرّب أصولَ العقيدة وتعاليم الإسلامِ. فبقدر ترسيخ مبادئ الدّين، وتعميق جذوره في قلب المسلم، بقدر ذلك يطيب عنصره، ويزكو عمله، ويبدو ورعه، ويخلص من شوائب قوله وفعله، ويعظم نفعه، فالضّمير الدّيني هو منبع الكلمة الطّيّبة، والفعلة الطّيّبة … "(2)

السّير المنضبط في الحياة، يضمنه أو يدفع إليه ضمير مهني، يُنَشَّأُ عليه الفردُ، لكنّ هذا الضّميرَ، لا يمكن أن يتوفّر أو يتكوّن بالمعنى الصّحيح والحقيقي، من دون ضمير ديني ثابت، فهذا الضّمير هو الذي يضمن الأخلاق العاليّة التي تبني الأخوّة والوطنيّة، وتؤسّس قواعد التّحرّك السّليم، الذي يصدر عن خلال الوفاء والإحسان والإتقان والإتمام والإكمال والانضباط … وهذه بدورها تنبع من الضّمير الحيّ اليقظ.

هذه الحقيقة لا تبنيها، ولا تهدي إليها سوى العقيدة الرّاسخة، والمبادئ الثّابتة، وتعاليم الدّين الصّافيّة، التي هي طيّبة، فلن تبني إلاَّ طيِّبًا، مصداقًا لقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كيْف

(1) - هناك تسميّات عديدة نلتقي معها في مصطلح الضّمير ومضمونه ودلالته. الضّمير المهني، الضّمير الجمعي، الضّمير الوطني، الضّمير الخلقي، الضّمير الدّيني .. لكنّ أهمّها وأقربها إلى ما يدعو إليه الشّيخ حمّو، وما يحقّق الرّاحة النّفسيّة، والطّمأنينة فيما يقدّمه الفرد من سلوك، وما يشمل كلّ دلالات التّسميّات الأخرى، هو الضّمير الدّيني .. وهو ما استمعله الكاتب ..

(2) - من خطب الجمعة (4)، ص: 87، 88.

٢٦ / ٩٩