سلسلة من فكر العلماء العاملين (3): بناء الفرد في فكر الشيخ حمو فخار
الجزء ١ · صفحة ٣٠لله عليكم عوضًا، إن رجوتم لقاءَه، وذلك أن تذبحوا الأنانيّة وحبّ الذّات في نفوسكم، وتسلخوا عادة خشية النّاس من قلوبكم، فما عاق المصلحين عن تنفيذ خططهم الإصلاحيّة إلاّ خشية النّاس للنّاس، ومراعاة عواطف النّاس في النّاس، ولو غضب خالق النّاس، ورازق النّاس."(1)
إنّ أوّل ما يجب تصحيحه في نفس المسلم هو العقيدة، وأوّل ما يجب ترسيخه من هذه العقيدة، إفراد الله بالعبوديّة، وتحكيم شرعه في السّلوك، وعدم الالتفات إلى ما يأمر به النّاس، إذا كان ذلك مخالفًا مصادمًا لما يأمر به خالق النّاس. فالشّيخ يرى أنّ ما أخلّ بالبناء الصّحيح للنّفس المسلمة، وعملِ المصلحين الذين تحرّكوا أصلاً ليصلحوا النّهج الذي كرّسّه من سار في درب الهدم والنّقض … إنّ ما أخلّ بهذا البناء هو مشكلة الخوف من النّاس، والاستهانة من خشية الله - عز وجل -. تصحيح هذا الخلل يساعد على تثبيت الأخلاق التي جاء الإسلام لينشرها في حياة البشريّة.
إنّ الأخلاق هي الكفيلة ببناء المجتمعات البشريّة على أسس سليمة، لهذا قال الشّيخ: "حسبُنَا أيّها السّادة، إن رُمْنَا تطهيرًا لمجتمعنا، ورقيًّا في أفكارنا، وتقرّبًا إلى ربّنا، أن نحتفل بالأخلاق، وبغيرها لن تستقيمَ وربّكم أحوالنا، وإنّما الأمم الأخلاق(2). من أجل ذلك لم يمتدح رَبُّنا نبيًّا من أنبيّائنا في الغالب إلاّ بحسن خلقه، فقال في أحدهم: إنّه كان صادق الوعد(3)، وقال في آخر: إنّه كان مخلصًا(4)، وقال في ثالث: إنّه كان صِدّيقًا(5)، وقال في الرّابع: إنّ إبراهيم لحليم أوّاه منيب(6)، وقال في خاتمهم: وإنّك لعلى خلق عظيم(7)، ولم يقل: إنّك لذو ثقافة عاليّةٍ، رغم ما زوّده من علم، وما زوّدَ آدم من الأسماء."(8)
الأخلاق الفاضلة هي التي كان المصلحون والمرّبون يحرصون على اعتمادها في البناء؛ حتّى يكون سليمًا، وفي التّكوين؛ حتّى يكون صحيحًا. في هذا يقول الشّيخ البشير الإبراهيمي، مخاطبًا شباب الإسلام: " أي شباب الإسلام: حملة الأمانة وبناة المستقبل وطلائع العهد الجديد. خذوها فصيحة صريحة، لا تتستّر بجلباب، ولا تتوارى بحجاب. إنّ علّتكم التي أعيت الأطبّاء، واستعصت على حكمة الحكماء، هي من ضعف أخلاقكم، ووهن عزائمكم. فداووا الأخلاق بالقرآن تصلح وتستقم، وآسوا العزائم بالقرآن تَقْوَ وتشتدّ. "(9)
يقول أحمد شوقي:
صلاح أمرك للأخلاق مرجعُه … فقوّم النّفس بالأخلاق تستقم
إيمانًا من الشّيخ حمّو فخّار بأنّ البناء يبدأ بترسيخ الأخلاق في النّفوسِ، وحرصًا منه على تقديم النّصائح والتّوجيهات، متى يجب أن تقدّم، وبخاصّة حين يلحظ في بعض المتحمّسين للإسهام في عمليّة البناء هذا التّوجّه، كإقامة الأسابيع الثّقافيّة. التي تدلّ تسميّتها، ومظاهرها على هذه الوجهة … فإنّه يهتبلها فرصة للتّوجيه والتّنبيه إلى القواعد الأساسيّة في البناء، ولا أولى منها من الأخلاق: " … وبِهذا الاعتبار المهمّ، نودّ أن لا يفهمَ من عنوان المهرجان(10) ما يفهم حديثًا من أنّه اكتشاف للطّاقات الشّابة، وتبيان
(1) - من خطب الأعياد (4)، ص: 155.
(2) - إشارة إلى بيت أحمد شوقي:
وإنّما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
(3) - سورة مريم، الآية: 54.
(4) - سورة مريم، الآية: 51.
(5) - سورة مريم، الآية: 56.
(6) - سورة هود، الآية: 75.
(7) - سورة القلم، الآية: 4.
(8) - وقفات ومواقف، ص: 17، 18.
(9) - آثار محمّد البشير الإبراهيمي، (1) ، ص: 93.
(10) - عنوان المهرجان الثّقافي الثّالث عشر، الذي بتحدّث عنه الشّيخ حمّو، المقام بمدينة غرداية هو: "النّظام الاجتماعي بوادي ميزاب "