سلسلة من فكر العلماء العاملين (3): بناء الفرد في فكر الشيخ حمو فخار محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (3): بناء الفرد في فكر الشيخ حمو فخار

الجزء ١ · صفحة ٤٠

التّغلّب على مشاقّ الدّنيا وصروفها لا يكون إلاّ بالصّبر والجلد، قال أبو مسلم الرّواحي (ت 1339 هـ/ 1920م):

صُكّ الخطوب بخطبٍ اسمه جَلَدُ … وْاَلقَ الأمور بحلمٍ شخصُه جبلُ

الاستعداد القويّ يكون بتخطّي مراحل الحياة بتدرّج، والإفادة منها بقوّة استيعاب، وفي خطوات الأقدمين والسّابقين، والرّجال العظام دروس وعظات. يستغلّ الشّيخ حمّو محطّات الاحتفال بالمناسبات؛ فَيذكّر بالمعاني التي تتضمَّنها، وبالقيم التي نأخذها منها، بما يفيد في التّكوّن القويّ الجيّد الصّحيح.

يهمس في آذان المسلمين المعتزّين بعيدهم، المحتفلين بذكرى عيد النّحر، فيشير إليهم أنّ الاحتفاءَ الحقيقي لن يكون إلاّ إذا احتفلنا بالقيم الرّفيعة، التي تساعدنا على البناء والتّكوين. قال عن إبراهيم عليه السّلام " انظروا إليه كيف اجتاز مراحل الامتحان الخمس بنجاح. تلقّى العلم أوّلاً: من معدنه، حاملِ الوحي جبريل، وطبّقه ثانيًا: بعزيمة حين لم يتردّد في ذبح ولده إسماعيل، واستعمل الحكمة ثالثًا: في دعوته بعرض القضيّة بصيغة المشورة، لا بقسوة الأمر، حيث قال: ﴿ … يا بنيّ إنِّي أَرَى في المنام أنّي أذبحكَ فانظر ماذا ترى﴾(1) فلمَّا تلّه للجَبينِ، رابعًا: إنّما فعل ما فعل لا زهدًا في ابنه، ولكن انصياعًا لأمر ربّه، وإيقانًا بما أعدّه لهما في جنّات خلده، وضَرَبَ خامسًا المثل في الصّبر للنّاسِ، عندما أعرضَ عمّا سيقوله المعلّقون الخرّاصون في صنيعه، من أسرته الأقربين في عصره، ومِمّن يتعاقب على الدّنيا إلى يوم بعثه ونشره."(2)

هذه المراحل الخمس، تمثّل عناصر القوّة في شخص الفرد، الذي يسعى إلى التّكوّن الصّحيح، طبّقها سيّدنا إبراهيم عليه السّلام، فنجح بامتياز في الامتحان، امتحان تكوين

(1) - سورة الصّافات، الآية: 102.

(2) - من خطب الأعياد (4)، ص:152، 153.

٣٩ / ٩٩