سلسلة من فكر العلماء العاملين (3): بناء الفرد في فكر الشيخ حمو فخار محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (3): بناء الفرد في فكر الشيخ حمو فخار

الجزء ١ · صفحة ٤٤

مستوى كبير في اللّغة وصوغ الكلام الفصيح، فقال: " أخي الخطيب، عليك أن تعلم أنّ صوغ الكلام الجيّد الفصيح أصعب من نحت الحجر، ونقل زبر الحديد؛ لذلك قال الشّاعر العربي: إنّه ليمرّ عليّ وقت لنزع ضرس أسهل عليّ من قول بيت. وأجاب عبد الملك بن مروان الذي سأله: ما الذي شيّبك، قائلاً: شيّبتني المنابر.

فليجعل كلّ خطيب قياسه في الإجادة هذا المقياس، وما لم يصبه ما أصاب الفحول الأوفيّاء للغة القرآن، فليعلم أنّه لا يزال في طور الهذيان. كما قيل في عمر بن أبي ربيعة: لا يزال هذا الطّفل يهذي حتّى قال شعرًا."(1)

التّكوّن القويّ في اللّغة العربيّة، والصّياغة الصّحيحة ضروريان لمن يريد تبليغ ما جاء على لسان تلك اللّغة القويّة، وإلاّ بقي صاحبها في مستوى الهذيان، وظلَّ بعيدًا عن الوفاء للغة القرآن. هذا التّنبيه يدخل في إطار الدّعوة إلى الاستعداد أو الإعداد القويّ: " فمن الطّبيعي والبديهي أنّ الدّستور الذي صيغ بالفصحى، سوف لا يحذقه إلاّ الذين يحذقون العربيّة، ويمتلكون ناصيّتها، ويسبرون غورها، لا الغوغاء الشّبيهة بالأعاجم أو العجماوات في نطقها، ولا المبرّزون في اللّغات الأجنبيّة، التي غزت حتّى اللّهجات المحليّة، ولم تترك لإحداها ذاتية ولا مصداقية."(2)

يكون المثل في هذا الاهتمام بهذه اللّغة، ونصرتها والتّعلّق بها هو رسول الله - رضي الله عنهم -، الذي كاتب الملوك والقياصرة والأكاسرة باللّغة العربيّة؛ اعتزازًا بهذا اللّسان العربيّ المبين، ونصرة له، وبيانًا لمكانته وقيمته: " ولو شاء محمّد أن يحرّر كتبه بغير العربيّة لما عزّ عليه وجود كتّاب بالفارسيّة ونظائرها، كما وجد في عصره من علّم زوجته حفصة اللّغة العبريّة. إنّه الانتصار لوعاء كتاب الله حلّ جلاله، وسنُّ القدوةِ لأتباعه حتّى لا ينزل كلام ربّه، ما دامت السّموات والأرض عن عليائه، وحتّى تبقى صلصلة الجرس التي ملأت سمعه في حراء، ترنّ دومًا في آذان أحِبَّائه، توحي إليهم أنّ اللّغة المفضّلة عند ربّهم هي التي هتف بها

(1) - من خطب الجمعة (1)، ص: ط.

(2) - المصدر السّابق، ص: ي.

٤٣ / ٩٩