سلسلة من فكر العلماء العاملين (3): بناء الفرد في فكر الشيخ حمو فخار محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (3): بناء الفرد في فكر الشيخ حمو فخار

الجزء ١ · صفحة ٤٥

روح القدس لمحمّد يوم استهلال نبوّته (يا محمّد أنت رسول الله، وأنا جبريل) وليس اعتباطًا أن ربط المشرّع علاقاتنا بخيط العربيّة الذّهبي، فأمرنا أن نؤذّن بِـ (الله أكبر) في صوامعنا، ونستفتح باسم الله أعمالنا، ونستبيح أكل ذبائحنا، وبالعربيّة نُلبِّي، وبالقرآن نصلّي، وبِـ (لا إله إلاّ الله) نستنزل الرّحمات والبركات، ونرجو عفو الله ومغفرته ورضوانه … "(1)

هل هناك أدلّة أقوى من هذه، تثبت أهميّة اللّغة العربيّة؟ هل هناك بيان أوضح، يُبينُ عن مكان اللّغة العربيّة في حياة المسلم إطارَ عبادة، ووعاء كتاب الله - عز وجل -؟ ليس بعد هذا البيان إلاّ الهذيان، وليس بعد الدّليل إلاّ الجحود والنّكران، وليس بعد الحقّ إلاّ الضلال والخسران. في فعل النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - التّوجيه والبرهان، والتّذكير ولفت النّظر، وتحديد المسار، وتوضيح المنهج … فعلى من يبغي التّكوّن الصّحيح ألاّ يبغي على لغة القرآن، ولا يظلم نفسه بحرمانها من هذا المقوّم للإعداد السّليم ..

بعد هذا أكّد الشّيخ حمّو على واجب الاهتمام باللّغة والانتصار لها، بيّن أنّ هذا يتطلّب خطوة أخرى أكثر نجاعة، وأبين برهنة على الوفاء للخطّ، وهو التّكوّن فيها، والتّخرّج على الطّريقة التي تؤهّل للتّعامل معها في الحياة العمليّة بقوّة. فقال: " وإنّما كانت الصّياغة عزيزة المنال لأنّ الكتابة والخطابة تحتاج إلى الاستيلاء على ناصية اللّغة العربيّة؛ بامتلاك مفاتحها، ولن يتأتّى ذلك إلاّ لمن قضى العمر في السّياحة في حياض مغانيها، والسّباحة في حياض لآليها، وامتصاص رحيق الأزهار كالنّحل من روابيها، ذلك ما أهمله اليوم النّاطقون بالضّاد، وراحوا يلحنون كالأعاجم في كلّ ناد، ويهيمون بها في واد.

لا يا قوم، لا يجوز بحال أن نخبط خبط عشواء في اللّيلةِ الظّلماء عندما نتحدّث بلغة السّماء، وتنطق ألسنتنا بفصاحة سحبان، إذا تحدّثنا بلغة الأجنبي ولغة الدّهماء.

يجب أن نصرّ على النّطق بلغة العرب الأقحاح، كما لو أنّنا بسوق عكاظ، لا لأنّ لها حلاوة، وعليها طلاوة فحسب، بل لأنّها لغة السّماء للأرض، التي كتب لها الخلود إلى

(1) - المصدر السّابق، ص: ك.

٤٤ / ٩٩