سلسلة من فكر العلماء العاملين (3): بناء الفرد في فكر الشيخ حمو فخار
الجزء ١ · صفحة ٦٧إنّ التّفكير في أخذ زمام الأمور، وتبوُّؤَ موقع الصّدارة، والوصول إلى الحكم، بل الاستيلاء عليه .. قبل الاستعداد القويّ لذلك، وقبل بناء الأفراد الذين يكونون أكفاء لهذه المراكز، وقادرين على أداء ما يتطلّبه مكان الصّدارة والقيادة … هو الذي سبّب الانتكاسة للمسلمين، وهو الذي كبّلهم وتركهم في الحضيض الأسفل في كلّ شيء؛ لأنّهم لم يتمكّنوا من إدارة شؤونهم، بما يتناسب مع جسامة المسؤوليّة التي تحتاجها القيادة، وبما يستجيب للتّحدّيات والمستجدّات التي تفرزها التّغيّرات المتلاحقة كلّ لحظة، في حياة تتّسم بالحركة السّريعة الدّائبة الدّائمة.
كان يعوز هؤلاء بناءُ النّفوس وإعدادها لهذه المهمّة الخطيرة، كما كانت تنقصهم مقوّمات القوّة، التي تؤهّلهم لبلوغ الغاية، وتحقيق المبتغى، والوصول إلى القمّة. هذه المقوّمات هي: التّوأدة والتّروّي والاعتدال والكفاية والقدرة على تسيير الأمور .. : " أما وربّ الكعبة والرّكن الأسعد! ما كانت نكسات المسلمين المتوالية بمصر وسوريا وعدن، وما لاقوه من فتنِ ومحنٍ، إلاّ بسبب التّسرّع للحكم، قبل الاستعداد الرّصين المحكم، وصدق الله - عز وجل - إذ يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعِتُمْ مِنْ قُوَّةٍ … ﴾ (الأنفال: 60)، وأوّل القوى رياضة النّفوس على الصّلاح والتّقوى … لا إعداد الغوغاء والعامّة البلهاء."(1)
ينصح الكاتب الجزائريّين أن يتّعظوا بإخوانهم، ويتريّثوا في المبادرة إلى أخذ زمام الحكم. عليهم أن يعدّوا أنفسهم بالقوّة المطلوبة، التي أشار إليها أوّلا؛ حتّى يتمكّنوا من أن يقهروا كلّ ما يعترضهم، ولا يذلّوا، ولا يُمنعوا الحقّ الذي ينشده الإسلام القويّ. وقد كانت بعض الفئات في الجزائر قد اغترّت بما لديها من إمكانات بسيطة، وبضاعة مزجاة في مقوّمات تولّي السّلطة، فزجّوا بأنفسهم في هذه المخاطرة الصّعبة، وهذا الرّهان الخاسر، فتطلّعوا إلى الحكم، وساروا إليه بقوّة وسرعة، غير متناسبة مع مؤهّلاتهم له .. فاندحروا
(1) - المصدر السّابق، ص: 221. ينظر أيضًا ص: 225، 226.