سلسلة من فكر العلماء العاملين (3): بناء الفرد في فكر الشيخ حمو فخار
الجزء ١ · صفحة ٦٨وانكسروا، وانتكس بسبب ذلك علم الإسلام في ربوع الجزائر، الذي كان يطمح أن يزداد ترفرفًا وارتفاعًا في سمائها. وما تزال الجزائر تعاني ارتداداتٍ وويلاتِ هذا التّسرّع والتّهوّر. هذه الانتكاسات واللّدغات واللّسعات .. أصابت الشّعب الجزائري في العمق.
المتسبّب في هذا هو عدم احترام سنّة التّدرّج في بناء المسيرة، والوقوع في مغبّة من طلب الشّيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. حال هؤلاء المتعجّلين من قال فيهم المثل العربي:" تزبَّبَ قبلَ أن يتَعَنّب". إنّ بناء الفرد في شخصيّته ومقوّماته وكيانه قاعدة أساسيّة في تهيئته لخوض ميادين الحياة بقوّة وثقة ونجاعة وكفاية ..
هذا الارتداد إلى الوراء أنتج رداءة في السّلوك، ورّث ضعفًا في الشّخصيّة، أدّى إلى التّردّي إلى الحضيض، وهو ما كرّس التّبعيّة للآخر، فكانت العامل الثّاني في تغيير حال الجزائر إلى البؤس والتّعاسة: " أمّا العائق الثّاني: فهو التّبعيّة للغير، والتّبعيّة للغير معناها الاحتياج إليه، والاحتياج يرغم المحتاج أن يرتمي في أحضان المنعم المتفضّل عليه، ويربط عجلته بمركبته، ويخضع عقله لعقله، ويفنى في حبّه وإرضاء ميوله ورغباته … وحتّى لو امتلك أمراء العرب قوّة الرّوح الدّيني، وعدموا السّلطان الدّنيوي، والتّقدّم التّكنولوجي، فإنّهم لا يستطيعون التّحليق في سماء الأقويّاء، ولا النّطق على مائدة المفاوضات، إلاَ مع أندادهم من الأذناب المستضعفين. ولا أدلّ على ذلك من إذلال الغرب الصّليبي للشّرق الملحد، عندما طلب عونه ورفده. بعبارة أخصر وأوضح: عندما هبطت روسيا العملاقة الطّاغية إلى مستوى الدّول النّامية في الطّلب والمسألة."(1)
المهمّ، إنّ القوّة مطلوبة في مواطن الوقوف أمام الآخر موقف الاعتداد بالنّفس، لمن يروم التّحكّم في زمام أموره، حتّى لا يكون تحت رحمة من يبذل له ما يذلّه به، ويخضعه
(1) - المصدر السّابق، ص: 222، تراجع الخطبة التي ألقاها الشّيخ حمّو فخّار، بمناسبة عيد الأضحى المبارك، يوم الخميس: 10 من ذي الحجّة 1412هـ، 11 من جوان 1992م، وليس 10 من حوان، كما ورد في الكتاب.، ص: 216 - 227. عنوان الخطبة: " واإسلاماه "، فيها تحليل جيّد لبداية الأزمة الجزائريّة، بعد إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانيّة، التي فازت فيها الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ بأغلبيّة مقاعد المجلس الشّعبي الوطني الجزائري، وفي الدّور الأوّل.