سلسلة من فكر العلماء العاملين (4): الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٤

الأمّة إلى الأحسن والأفضل. الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، الذي كانت نظرته إلى الشّباب النّظرة التي تبنّاها الشّيخ البشير الإبراهيمي .. قال من جملة ما قال موجّهًا تخطابه وإرشاده إلى الشّباب المتعلّم بخاصّة: " أيّها الشّباب المتعلّمون، إنّ الدّولة دولتكم، وإنّ الدّور دوركم، وإنّ اليوم لكم، فبيدكم مقاليد المستقبل، وأنتم أقدر النّاس على تحويل اتّجاه الأمّة إلى حيث تريدون، إنّكم الأئمّة، والأمّة لكم تبع، بل أنتم الأمّة، لو عرفتم أفداركم … "

قال أيضًا: " … فهل أدركتم الآن ما بنا من حاجة شديدة إلى قادة أكفاء ذوي عقول راجحة وأفكار واقعيّة، لا خياليّة، لهم بصر بالعواقب، ونفاذ إلى أسرار الحوادث، ينقذون الأمّة من محنتها، ويهدونها السّبيل، ويوجّهونها الوجهة الصّالحة. فإنّها اليوم في مفترق الطّرق، مشتبهة الأعلام، لا صوى فيها ولا منارات .. "(1)

هذه النّصوص وهذه الأقوال كانت من نتاج الاصطراع الذي ساد الجزائر المستعمرة بين الوطنيّين (العلماء المربّين بخاصّة) والغطرسة الاستعماريّة الفرنسيّة التي أرادت أن يكون الشّباب ناشئًا ومكوّنًا على غير الأصول التي يريدها الإسلام. من هذا المنظور تقرأ هذه الأقوال والنّصوص ..

أليس بين الرّجلين توافقًا في الرّأي؟ أليست رؤيتهما إلى الشّباب واحدة .. إذن فإنّ ما طلبه الإبراهيمي كان منطقيًّا، بل هو ما يجب أن بكون .. بهذا تبرز لنا قيمة الشّباب ودورها وضرورتهما للرّفع بالأمّة إلى المعالي والعوالي ..

إنّ ذلك يتطلّب عناية خاصّة، ورعاية مركّزة بالشّباب، حتّى يستفاد منه كما يُرْغَب ويُتَأَمَّل. في هذا بقول الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي: " إنّ الأمّة الرّشيدة هي التي تحرس شبابها في طور الشّباب من الآفات التي تصاحب هذا الطّور، فتحافظ على أفكارهم أن تزيغ، لأنّ هذا الطّور طور له ما بعده من زيغ أو استقامة. وتحافظ على أهوائهم أن تتَّجه اتجّاها غير محمود، وتحافظ على عقولهم أن تعلق بها الخيالات، فتنشأ عليها، ويعسر أو يتعذَّر رجوعهم عنها. وتحافظ على ميولهم وعواطفهم، أن تطغى عليها الغرائز الحيوانيّة؛ لأنّ هذا الطّور هو طور تنبّهها ويقظتها."(2)

يبزر النص حقائق ثلاثًا، لابدّ من وعيها وعيا كاملا، ثمّ التّصرّف - بعد ذلك – على ضوئهما بما يتناسب مع ما تمليه وتفرضه:

الأولى: إنّ الشّباب مجموعة من أفكار خاصّة، وعواطف متحفِّزة، وميول متميِّزة، ومجموعة من الغرائز الكامنة، وكتلة من الخيالات والطّموح غير المحدود … تصطبغ هذه المكوِّنات بصبغة الطَّور الذي يكون فيه الكائن البشري، وتتميّز بما تفرزه مرحلة المراهقة ..

الثّانية: على الرّاشدين والموجّهين معرفة كيفيّة التّعامل مع هذه المكوّنات وهذه المعطيات بحذق وحكمة وذكاء، بعد فهمها فهما حسنا؛ ليحسن توجيهها الوجهة الصّحيحة، حتّى لا ينحرف الشّباب عن سواء السّبيل.

لذا فإنّ رعاية الشّباب شيء ضروريٌّ ومهمّ، وهو ما أولاه الشّيخ البشير الإبراهيمي عناية خاصّة، من منطلق المسؤوليّة والواجب اللّذين يمليهما المركز الذي يتبوَّؤه؛ معلِّما ومربِّيا ومرشدا … ثمّ قائدًا ومسيّرًا ومديرًا لكثير من شؤون الأمّة الجزائريّة .. بواسطة ما ترأّسه من هيئات ومؤسّسات …

الثّالثة: الحرص على الانطلاق في الرّعاية منذ البداية، والاستمرار والنتابعة لعمليّة العناية في كلّ لحظة وآن، في كلّ

(1) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، اص: 204، 205.

(2) - محمد البشير الإبراهيمي، آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ط1، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1398ه/ 1978م، ص: 325.

١٤ / ٤٢