سلسلة من فكر العلماء العاملين (4): الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٦

تمثّله متساميا ومتطلِّعا وطموحا إلى المعالي، متمردّا عن القيود والأغلال التي تحد من إرادته وتنال من عزيمته، وتعطّل طاقاته. تَصَوَّرُه: " مقداما على العظائم في غير تهوّر، محجاما عن الصغائر في غير جبن، مقدّرا موضع الرّجل قبل الخطو، جاعلا أوّل الفكر آخر العمل."(1)

يرى فيه سعة الصّدر، يحتوى النّاس بأخلاقه، يرى كلّ عربيّ(2) أخاه، في اللّغة أو الدّين أو الإنسانيّة. " ثمّ يعطي لكلّ أخوّة حقّها: فضلا وعدلا."(3)

يشاهد فيه المثل في الحرص على العمل، والابتعاد عن الخمود والازورار عن البطالة، والنّأي عن القول المجرّد، والتّوجّه مباشرة إلى العمل المنتج. " أتمثّله برًّا بالبداوة التي أخرجت من أجداده أبطالا، مُزوًرًّا عن الحضارة التي (رمته بقشورها)، فأرخت أعصابه، وأنَّثت شمائله، وخنَّثت طباعه، وقيَّدَتْهُ بخيوطٍ الوهم، ومجّتْ في طبعهِ الطّاهر السُّموم، وأذهبت منه ما يذهب القفص من الأسد من بأس وصولة.

أتمثله مقبلا على العلم والمعرفة؛ ليعمل الخير والنّفع، إقبال النّحل على الأزهار والثّمار لتصنع الشّهد والشَّمع، مقبلا على الارتزاق إقبال النّملة تَجِدُّ لِتَجِد، وتدَّخِر لتفتخر، ولا تبالي ما دامت دائبة أن ترجع مرّة منجحة ومرة خائبة."(4)

إن ما يذكره الكاتب عن الشّباب بعبارة (أتمثّله) هو - في الحقيقة - ما ينشده فيهم أن يتَّصفوا به؛ حتّى يستحقُّوا صفة الشّبابيّة، ثم يحقّقوا ما يأمله مربّوهم فيهم، بدليل قوله بعد ذلك: " هكذا شباب الجزائر! كونوا أو لا تكونوا."(5)

الشّباب الذي بقول عنه الشّاب الحكيم رمضان حمّود: " الشّباب نار حاميّة ينفع، ونفعه أعظم من ضرره، في معظم الحالات. الشّباب معناه القوّة والحياة."(6)

يتصوّر الإبراهيمي الشّاب الجزائري متدثِّرا بمكارم الأخلاق، متّزرا متزمِّلاً بروائع الشّمائل التي تصنع منه الرَّجل الذي ينضوي في سلك الشباب المحمّدي، فيكون سوِيَّ التّكَوُّن، قوِيَّ البناء …

كما يتخيّله فردا يعلم معنى الطّهر، ويعي حقيقة الإصلاح، ويعرف رسالته في الوجود بدقّة، ويفقه معنى الحياة

(1) - المصدر السابق، ص: 578.

(2) - بالمفهوم الحقيقي للعروبة، التي لا تفرّق بينها والإسلام، أي هما كلمتان تؤدّيان معنى واحدَا وتدلاّن على شخصيّة واحدة) قال الإبراهيمي يخاطب الطّلبة الشّباب: " … إنّ الإسلام والعروبة يا إخواني ويا أبنائي! إذا ذكرا ذابت القيود، وتلاشت الحدود، واجتمعت الأقطار على رحبها في بيت. وإنّ أخوّة الإسلام والعروبة لا تقوم على الأقوال، وإن طالت وكثرت، وإنّما تقوم على الأعمال والحقائق ..

ولو أوتينا رشدنا لأقمنا كلمتي المسلم العربي مقام هذا النّسب المعروف إلى البلدان والقبائل، فما هذا النّسب إلاّ ثغر ومداخل لشيطان الوطنيّات الضّيّقة التي ليست من ديننا، ولا من ميراث سلفنا فتواصوا جميعًا بتحقيق هذه النّسبة الإسلاميّة العربيّة، ونثبيت أصولها في نفوس أبناء هذه الأمّة .. " (مجلّة الموافقات، العدد الرّابع، ص: 760).

(3) - عيون البصائر، ص: 578.

(4) - المصدر نفسه. يبدو أنّ ما عناه الشّيخ هو (مدنيّة) وليس حضارة، لأنّ الحضارة شيء إيجابي، وليس مذمومًا .. ومن الحضارة الاعتزاز بالبداوة، التي أخرجت من أجداد الشّباب الذي يتمثّله أبطالاً، فأسّسوا حضارة ..

(5) - المصدر السّابق، ص: 586.

(6) - رمضان حمّود حياته وآثاره، ص: 216.

١٦ / ٤٢