الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١٧الصّحيحة. يتخيّله صاحب عزيمة وإرادة على التّغيير نحو الأحسن، ذا قوّة على فهم الأمور، والنّفاذ إلى أسرارها؛ لأنّه يتهيّأ ليواصل المسيرة، ويقود القافلة، ويحمل المشعل ساطعا في الآفاق، ويرتفع بالألوية خفاقة في الأعالي …
" أتمثّله في الطّاهرين والطّاهرات، ارتضع أفاويق الإصلاح صبيًّا، وزُرَّتْ غلائلُه عليه يافعا، فنبتت في حجره، ونبتت قوادمُه في وكره، ورفرفت أجنحته في جوِّه، لم يمسسه زيغ العقيدة ولا غشيت عقله سحب الخرافات، بل وجد النهج واضحا، فمشى على سوائه، والأعلام منصوبة، فسار على هداها، واللِّواء معقودا فأوى إلى ظلِّه، والطَّريق معبَّدا آمنا من العثار، فما بلغ مبلغ الرّجال إلَّا وهو صحيح العقد في الدّين، متين الاتّصال بالله، مملوء القلب بالخوف منه، خاوي الجوانح من الخوف من المخلوق، قويّ الإيمان بالحياة، صحيح النَّظر في حقائقها، ثابت العزيمة في المزاحمة عليها، ذلق اللِّسان في المطالبة بها، ناهض الحجّة في الخصومة لأجلها، يأبى أن يكون حظُّه منها الأخَّس الأوكس، أمن بعقله وفكره أن يُضلَّل في الحياة، كما أمن بهما أن يضلّل في الدّين .. وفي الحياة كما في الدّين تضليل."(1)
ماذا نقرأ في هذه الفقرة؟ نقرأ فيها معاني كثيرة، ودلالات دقيقة وإيماءات عميقة .. منها:
1 ـــــــ أنّ الشّباب هم مصدر قوّة الأمّة.
2 ــــــــ قوّة الشّباب يجب أن تكون شاملة لكلّ ما يتّصل به، وبه يتحرّك وينشط ويعمل: القلب، العقيدة، العقل، الفكر، اللّسان ..
3 ـــــــ يجب أن يكون الإصلاح هو الذي يغمر هذا الشّاب الجزائري .. يرضعه صبيًّا، ويتقلّب فيه يافعًا، ويتشرّبه ويعمل به ويصدر عنه في كامل حياته ..
4 ـــــــ تسجيل جهود الآباء والمربّين وأوليّاء الأمور في سبيل تعبيد طريق الإصلاح في الشّباب، وفي هذا التّسجيل أيضًا التّنبيه إلى السّير في هذا المنهج لضمان مواصلة المسيرة في الاتّجاه .. فالطّريق أصبحت واضحة للمُوَجِّه والمُوَجَّه معًا ..
5 ــــــــ هذه التّوجيهات هي التي تضمن وتمنح الهداية إلى الطّريق الصّحيح، وتمنع من الغواية والضّلالة عن سواء الصّراط … في الحياة: دينًا وفكرًا، وفي كلّ جوانبها ..
إذا عرضنا أمامنا الظّرف الذي حرّر فيها الشّيخ الإبراهيمي هذه المشاعر، وسجّل هذه الخواطر، ووعينا طبيعة الفترة التي عاشتها الجزائر، في ظلّ الاحتلال الفرنسي الصّليبي الغاشم، السّالب الحياةَ - بكلّ مقوّماتها وقيمها - من الجزائريّين. وما كان يقوم به نحو شباب الجزائر ليكوّن منهم لا شيء، أو ينشئهم على ما يكفل له تطويعهم كما بشاء .. أدركنا أنّ ما يذهب إليه الإبراهيمي بخياله .. هو طموح من يريد أن يكون بلده في مستوى راق من التّقدّم والتّحضّر، وفي قدر عالٍ من القوّة والعزّة .. وهو طموح مشروع، وأمل يمكن تحقيقه .. والمعنيّون بذلك – في الدّرجة الأولى – هم الشّباب ذخيرة الأمّة، وقوّتها وعمادها وسنادها ومرتكز نهوضها وقيامها وتطّورها ..
هو أيضًا رسالة بالغة الأهميّة للشّباب نفسه، أن يعمل ليتّصف بتلك الخصال، ويتمثّل تلك القيم، وللقائمين على
(1) - المصدر السّابق، ص: 580.