سلسلة من فكر العلماء العاملين (4): الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٨

شؤون هؤلاء الشّباب القيام بدورهم في هذه السّبيل بقوّة وكفاية ودراية، ومسؤوليّة ورساليّة وأمانة ..

كما تتضمّن هذه التّخيّلات المقبولة والمشروعة جانبًا نفسيًّا، المعنيٌّ بها الطّرفان معًا؛ في ظلّ محاولة الاستعمار اغتيال معنويّات الشّعب الجزائري، وتيئيسه من القيام بشؤونه بنفسه، وحمله على الاقتناع بوجوب وجود من يعينه على ذلك … ومن يكون هذا سوى الاستعمار نفسه .. ؟! كلّ هذه التّأويلات والتّفسيرات لهذه التّمثّلات والتّخيّلات واردة ..

إذن – في نظري - لن تكون هذه الإشارات سوى توجيه الشّباب إلى ما يجب أن يكون عليه، ليتحقّق به إصلاح المجتمع، وترقية الحياة، وليكون هذا الشّباب سائرا في النّهج الذي خطّه الشّيخ الإبراهيمي وأضرابه من المصلحين الذين يسعون إلى بناء النّفوس، وإعداد رجال ينوؤون بالحمل ويحملون على الهول، ويقومون برسالة الإصلاح. بدليل أنّه شدّد على أنّ كلًّا من الشّباب والمشيب لا قيمة له: " إذا لم تنفق دقائقه في تحصيل علم، ونصر حقيقة، ونشر لغة، ونفع أمّة، وخدمة وطن، … يا شباب الجزائر! هكذا كونوا أو لا تكونوا … "(1)

هكذا يتبيّن بوضوح الوجهة التي يقصدها الكاتب بهذه الإيماءات، إنّها وجهة الإصلاح. إنّه يأمل من الشّباب أن يكون في خدمة الإصلاح ومواكبة العاملين في هذه السّبيل.

قال أيضًا " أتمثّله جديدا على الدّنيا، يرى من شرطها عليه أن يزيد شيئا جديدا مستفادا فيها، يرى من الوفاء لها أن يكون ذلك الجديد مفيدا … أتثّمله واسع الآمال إلى حد الخيال، ولكنّه يزجيها بالأعمال إلى حدّ الكمال."(2)

إنّ ما يطلبه البشير الإبراهيمي هو الفعاليّة، والإسهام في تطوير الحياة، والمزيد من العمل، وإضافة الجديد، وترك الخمول والخمود، ونبذ الهموم. كما ينشد في الشّباب التّمتّع بالخيال الواسع، والآمال العراض التي تبعث على التّحرّك والإبداع، لكن في حدود ما يقبله الواقع، ويتحمّله العمل.

أضاف بخياله المنتج المفيد مجموعة من القيم يريدها أن تكون في الشّاب الجزائري، الذي هو أمله في الارتقاء بوطنه نحو العلا والسّؤدد، ثمّ قال: " أتمثّله مقدّمًا لدينه قبل وطنه، ولوطنه قبل شخصه، يرى الدّين جوهرًا، والوطن صدفًا وهو غوّاص عليهما يصطادهما معًا. ولكنّه يعرف الفرق بين القيمتين. فإن أخطأ في التّقدير خسر مرّتين."(3)

قيمة أخرى يضيفها إلى قبمة الشّاب الجزائري، قيمة تحديد الأولويّات وتقديم الأهمّ على المهمّ، من دون التّفريط فيهما؛ وذلك بإعطاء كلّ شيء له به سبب وصلة حقَّهُ، وإحلاله في قلبه المحلَّ اللاّئق به .. فالدّين مقدّم على الوطن وهو مقدّم على النّفس .. لكنّها جميعًا ذات قيمة في الاهتمام والرّعاية ..

ألا يكون هذا التّسجيل لهذه الحقيقة (التي هي مطمح أو مطلب الشّيخ الإبراهيمي في الشّاب الجزائري) هو تنبيه لهذا الشّاب أن لا يخطئ التّقدير في تحديد العلاقات مع المقوّمات وترتيب مكانتها ومكانها في سلّم الاهتمام .. ألا يكون فيه تحذير من الوقوع في حبائل الاستعمار الذي يريد أن يصرفه عن كلّ ما يثبِّتُ شخصيّته ويحميها من

(1) - المصدر السّابق، ص: 581.

(2) - عيون البصائر، ص: 586.

(3) - المصدر السّابق، ص: 586.

١٨ / ٤٢