سلسلة من فكر العلماء العاملين (4): الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢٠

إنّ الشّيخ الإبراهيمي - بناء على ما تقدَّم - يرى أنّ حقَّ الشّباب متعلّقٌ بالكبار، أي عليهم أن يقوموا بواجب التّكفُّل به وتربيته وتوجيهه، وإعداده إعدادا حسنا، وبنائه بناء سليما: " للجيل الآتي علينا حقوق أوّليّة مؤكّدة، لا تبرأ ذمَّمُنا منها عند الله، ولن تسقط شهادة التّاريخ علينا بها، إلّا إذا أدَّيناها لهم كاملة غير مبخوسة، وملاك هذه الحقوق أن نُعدَّهم للحياة على غير الطّريقة التي أعَدَّنَا بها آباؤُنا للحياة.

الأخلاق والآداب والأفكار والإحساسات والاتّجاهات العامّة والمشخَّصات الخاصّة هي الأمتعة التي يرثها جيل عن جيل، ومنها يتكوَّن مزاجه صحَّة واعتدالا. فماذا ورثنا عن آبائنا؟ وماذا نورِّثُ أبناءَنا منها؟ "(1)

الشّباب في حاجة إلى رعاية وعناية، بل إنّ هذا حقُّهم المتعلّق بالكبار، هذا الحقُّ يشمل كلَّ ما يساعد على بناء شخصيَّتهم: الأخلاق والآداب والأفكار والمشاعر والخصوصيّات التي تحكم المجتمع الذي ينتمون إليه، هذه المطالب هي ما يجب على المربِّين والمسؤولين الاهتمام بها إذا أرادوا البناء الحقيقي والصّحيح.

هذه الفكرة التي سجّلها الإبراهيمي عن حقّ الأبناء في بناء شخصيّاتهم على غير الطّريقة التي بنى أباؤهم بها نفوسهم، ترمي إلى هدف جعل الأجيال الصّاعدة تعيش زمانها بكلّ ما يفرزه وينتجه ويخرجه من جديد، حتّى يكونوا أوفيّاء له. مندمجين فيه، ولا يكونوا غرباء فيه – طبعًا مع استصحاب الأصول والمبادئ التي تحكم شخصيّتهم وفكرهم – وَفق المقولة التي وردت في الأثر: خلّقوا أولادكم بغير أخلاقكم، فقد خلقوا لزمان غير زمانكم ..

هذه سنّة التّطوّر، وهذه حقيقة السّيرورة التي تسير مع المتغيّرات بما يتلاءم مع التّجدّد في الوسيلة والتّفكير والتّعايش السّليم مع الأشياء التي تتحرّك أمامه … يذكر أنّ كسرى أنوشروان أوضى ابنه قائلا: " إنّنا عشنا في زماننا بما يلائمه، فعليكم أنتم أن تعيشوا بما يلائم زمانكم" .. وقريب من هذه المقولة قول الشّيخ عدّون شربفي: " لقد وجدنا حلولاً لزماننا، فأوجدوا حلولاً لزمانكم"

هذا الملحظ قاعدة تربويّة مهمّة تساعد على البناء السّليم للنّفوس، والتّنشئة الصّحيحة للرّجال الذين يكونون امتدادًا لجهود من يربّيهم، حتّى تستمرّ الحياة، وبها تضمن الأمّة بقاءها وعطاءها وفضاءها؛ لتبدع وتنتج وتقدّم ما يجعلها حيّة، لا تتعرّض للفناء، إلاّ ما كتب الله لخلقه من الأجل المحتوم، حين يأتي اليقين، كما قال: ﴿كلّ من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّد ذو الجلال والإكرام﴾ (الرّحمن/ 26، 27)

إنّ هذه القاعدة تراعي طبيعة النّفس التي تخضع للتّطوّر، وتطمح للتّغيير، وتطمع في الخروج من الرّتابة القاتلة للمواهب، المجهضة للمبادرات، الباعثة على الخمول والخمود والهمود والاستكانة .. فللأوليّاء دور كبير في تنشئة أبنائهم على هذا لمسلك المحمود، وهذا النّهج القويم ..

أقرّ الشّيخ البشير بهذا الحقِّ بعدما بيَّنَ أنَّ آباءه وآباء الجيل الذي ينتمي إليه كانوا مقصِّرين في أداء مهمةَّ البناء، فقد كانوا يعيشون في ظلام وتيه وحيرة .. عَدَّ الكاتب ما أصابهم ونالهم من ذلك حنظلا، لا يرضى لنفسه وزملائه المربِّين أن يصيبوا به الأجيال المتعاقبة التي يتولَّوْنَ الإشراف عليها: " حرام علينا أن نرضى للجيل الآتي بما لم نرض به لأنفسنا، وأن نجرِّعهم هذا الحنظل الذي تجرَّعْناه، وأن نلوِّث نفوسهم البريئة بهذه القاذورات، وأن

(1) - المصدر السابق، ص: 293.

٢٠ / ٤٢