سلسلة من فكر العلماء العاملين (4): الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢١

نبتليهم بما ابتلانا آباؤنا من أدواء التّفرُّق المهلك، والأنانيّة الكاذبة، والغرور المدلي، والتّنكُّر للقريب، والخضوع للغريب.

حرام علينا أن نقلِّدهم هذه الأسلحة المسمومة، فيتفانون كما تفانينا، ويذوق بعضهم بأس بعض، ويشقون جميعا، ويسعد بشقائهم الغير. حرام علينا أن نسلم إليهم شيئا من هذه الترَّكة التي يجب أن تنفق في جهاز الميِّت، فتدفن معه، ويأمن الأحياء شرَّها، إذ لم ينالوا خيرها."(1)

في هذا النّصّ إشارات مهمّة، تلخّص ما أراد الإبراهيمي أن ينبِّهَ إليه كلَّ المربِّين والموجِّهين، في كلِّ زمان ومكان، أن يقوموا به، إذا قصدوا إلى البناء الصّحيح للنّاشئة والشّياب:

1 - حدّد الأدواء التي كانت نتيجة إخفاق الآباء في التّربية.

2 - تعهَّد بعدم نقل هذه الأمراض إلى النّشء، بل طالب بحمايته منها، وممَّا يعيق بناءه بناء صحيحا سليما.

3 - ضمَّنَ كلامه ما يشير إلى أنّ ما يجعل المجتمع يتخبَّط في مشاكل أخلاقيّة وتربويّة واجتماعيّة … هي وجود هذه الأسلحة الفتَّاكة فيه ..

ألا يمكن أن تفسِّر هذه الإشارات بِما نعاني منه في الوقت الحاضر في هذا الجانب، إذا أنَّنا مقصِّرون في إنقاذ أبنائنا من هذه الأدواء المهلكة. فأين بيوتنا لتتحرَّك فتقوم بواجبها؟ وأين مدارسنا لتهبَّ فتتدارك الأمر؟ وأين إعلامنا لينهض فيصحِّح المسار؟ وأين مساجدنا لتنشط فتبين السّبيل الأقوم في تربيّة الشّباب على السّلوك الحسن؟

إنّ هذا التَّحليل لأوضاع الأربعينيّات وما قبلها من القرن العشرين هو أيضا عرض لأوضاعنا الحالية، فهل من معتبر؟ وهل من مدَّكر؟ وهل من قلب يعي؟ وهل مِمَّن يلقي السّمع وهو شهيد؟ وهل من قلب سليم يقوم بما يغيّر الحال إلى الأحسن؟؟؟

طبعًا إنَّ عرض الشّيخ البشير لحال من سبق من الماضين من الآباء في مجال التّربيّة، ورفضَه أن يقوم هو وأترابه بما فعل هؤلاء، أو بمعنى آخر السّير سيرتهم مع الأجيال الحاضرة .. هو دعوة لإعادة النّظر في سبل البناء والتّنشئة والإعداد، وتبنّي طرق صحيحة، ومناهج قويمة .. في هذا التّنبيه يبرز اهتمام الشّيخ الإبراهيمي ببناء الشّباب وإعداده ..

لذا لم يغفل عن بيان ما يجب عمله بدقّة أكثر، فقال: " السّبيل القويم الذي يؤدِّي إلى حفظ الجيل الجديد من هذه الشّرور المتوارثة، وإلى توثيق عرى الأخوّة بين أفراده، وإلى توحيد أفكاره ومشاربه واتّجاهاته، وإلى تصحيح فهمه للحياة، وتسديد نظرته إليها، وتشديد عزيمته في طلبها، هو المدرسة العربيّة، التي تصقل الفكر والعقل واللّسان وتسيطر عليها. وتوجيه الجيل النّاشئ إلى الإسلام والعرب، وإلى الشّرق والرّوحانية. فعلى هذه المدرسة يتوقّف جزء كبير من ذلك الواجب الثّقيل، وعليها يتوقّف حظُّ كبير ممّا نرجوه لهذا الجيل، وبهذه المدرسة نستطيع أن نبرِّئ ذمَّمنا من حقوق أبنائنا، وأن نكفِّر سيِّئاتٍ اجترحتها أجيالنا الماضية."(2)

إنّ البشير الإبراهيمي يذكِّر هنا بِمجموعة أفكار مهمّة في البناء:

(1) - المصدر السابق، ص: 294.

(2) - المصدر نفسه.

٢١ / ٤٢