الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٣لماضيه ودمه وقومه، لأن ذلك التّعليم وجده فارغا فملأه بما يشاء، لا بما نشاء نحن … "(1)
إنّ المدرسة العربيّة ضروريّة لتربية النّشء؛ لأنّها هي التي تقف أمام خطر التّعليم الأجنبي، الذي يمسُّ الأصالة والقيم، فيحوِّل من تعلَّم فيها - قبل أن يأخذ نصيبه من الثّقافة الأصليّة – إلى متنكِّر لهذه الأصالة؛ في تاريخها وموطنها وأفكارها ومقوِّماتها … ويحصلُ استغلالُ هذا التّعليم الأجنبي لعقول أبنائنا؛ لأنّه وجد الفراغ فيهم فملأه بما يشاء من الأفكار والمعتقدات، فانقلب كلُّ هذا سلوكا مشينا، يهدِّم البناء، ويحطِّم الحدود، ويتجاوز الأعراف، ويكسر القواعد …
بعد هذا الذي يحصل من نتاج التّعليم الأجنبي وإفرازاته الخطيرة .. أفلا يكون في المدرسة العربيّة الأصيلة الحماية والنّجاة من هذه المزالق والمهاوي؟؟
أليس ما نبَّهَ إليه الشّيخ البشير الإبراهيمي هو ما نعانيه اليوم؛ بسبب تقصير مدرستنا الجزائريّة في واجبها في تلقين أصول هذا المجتمع للأجيال المتعاقبة، وتنوير عقولها بالصّحيح من العقائد، وتوحيد رؤاها إلى قضاياه؛ انطلاقا من مبادئ ثابتة وأصول راسخة، وقواعد متينة؟؟ ألا نأخذ من هذه التّنبيهات دروسا لنقوم بعمليّة التّوجيه بأسس صحيحة؟؟
ألا يمكن أن نعدّ ما يحدث في مجتمعنا الجزائري من تنكّر أبنائها لأصالتهم، والخروج عن أعرافهم، واستيرادهم أفكارًا غربيّة عن أوساطهم، والتّذبذب في تفكيرهم وسلوكهم … هو ما حذَّر منه البشير الإبراهيمي؟ ألا يمكن إرجاع ذلك إلى غياب المدرسة العربيّة الأصيلة، في أهدافها، وفي برامجها ومناهجها، وفي إدارتها وتسييرها .. التي تبني وتنشئ عقولا، تكون وتبقى وفيّة لتراثها ومحتدها، وانتمائها ومعتقداتها؟؟ فلنفكِّر جيِّدا، ولنتدبَّر الأمر مليًّا، وليكن لنا في تنبيهات الشّيخ الإبراهيمي وتوجيهاته خير مَعين للتّربية السّليمة، والإعداد المُؤسَّس على القواعد الصّحيحة. وخير مُعين على البناء القويم، والتّنشئة القويّة ..
من هذا المَعين نغرف ونعرف المَهمّة المنوطة بكل عامل في حقل بناء النّفوس، وإعداد الرجال، التي يحدِّدها الشِّيخ الإبراهيمي بقوله: " … الغاية من هذه المدرسة هي تربية الجيل وتعليمه. وغاية الغايات من التّربية هي توحيد النّشء الجديد في أفكاره ومشاربه، وضبط نوازعه المضطربة، وتصحيح نظراته إلى الحياة، ونقله من ذلك المضطرب الفكري الضّيّق الذي وضعه فيه مجتمعه، إلى مضطرب أوسع منه دائرة، وأرحب أفقا، وأصحَّ أساسا، فإذا تمَّ ذلك وانتهى إلى مداه طمعنا أن تخرج لنا المدرسة جيلا متلائم الأذواق، متَّحد المشارب، مضبوط النّزعات، ينظر إلى الحياة - كما هي – نظرة واحدة، ويسعى في طلبها بإرادة متَّحدة، يعمل لمصلحة الدِّين والوطن بقوَّة واحدة، في اتّجاه واحد.
غاية التّعليم هي تفقيهه في دينه ولغته، وتعريفه بنفسه بمعرفة تاريخه. تلك الأصول التي جهلها آباؤه فشقوا بجهلها، وأصبحوا غرباء في العالم مقطوعين عنه، لم يعرفوا أنفسهم فلم يعرفهم أحد.
ففي هذه الغاية السّليمة التي في تحقيقها نجتهد ونكدح، وللوصول إليها نعمل، وفي العمل لها نلقى الأذى، وفي
(1) - المصدر السّابق، ص:295.