سلسلة من فكر العلماء العاملين (4): الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢٥

حتّى كلماتها وعباراتها لا تختلف كثيرًا عمّا ورد في الفقرات السّابقة، ممّا يعدّ تكرارًا وتأكيدًا على الأفكار السّابقة، ما يكشف عن أهميّة الموضوع، وعلى سعته، ثمّ يدلّ على روح الاستمراريّة والمواصلة والمتابعة والمداومة والشّموليّة .. التي تتطلّبها عمليّة التّربيّة، كما تُبينُ عن العناية والرّعاية التي أولاهما الشّيخ البشير الإبراهيمي لموضوع رعاية الشّباب: " … وأوصيه بالشّباب، فإنَّهم ذخر الغد، وأهل الأبد، ورأس مال هذه الأمّة، فَلْيُلَابِسْهُمْ، وليغرس فيهم حبّ دينهم ولغتهم ووطنهم وتاريخهم، وليُقَوِّ فيهم ملكة الاعتزاز بها، وليبسط في آمالهم الوطنيّة، وليروِّضهم على الفضائل الشّرقيّة، وليجمع قلوبهم على الإسلام وكتابه، وألسنتهم على لغته وآدابه، وليتألّف شاردهم بالرّفق والأناة، فإنّ للشّباب نزوات، وليقوِّ رجاءهم في الحياة، (فإنّ اليأس يخترم الشّباب)، وليربِّهم على التّقليل من الأقوال، والتّكثير من الأعمال، وليوجِّههم إلى حياة الشّرف، حياة العلم مقرونا بالعمل، فهذه سِمة العصر وشبابه، وليربط حاضرهم بماضيهم، فقد أوشكت الصّلة بينهما أن تنقطع عندهم، وأوشك الاستعمار والحضارة الغربيّة أن يتركاهم بلا ماض، فالقارئ منهم يعرف عن نابليون أكثر ممَّا يعرف عن عمر، والأمِّي منهم يجهلهما معا، ولا ذنب لهم في ذلك، وإنَّما الذنب ذنب الزّمن الغادر والعصر الفاجر، وليحملهم على التّحابب، فإنّ الحبّ رباط القلوب، وإنّ الحب يثمر الاتّحاد."(1).

قواعد مهمّة قدّمها الكاتب للمسؤولين على رعاية الشّباب والأبناء، والقائمين على عمليّة التّربية والبناء. شملت معظم جوانب الإعداد؛ بداية من توجيه الشّباب إلى الالتفات إلى الماضي والالتفاف والارتباط بالتّاريخ؛ مُنطلَقًا للتّكوين والتّربية، ثمّ الاعتزاز بالدّين والوطن واللّغة والآداب والتّمسّك بها، ملاذا للتّحصين من الانحراف والزّيغ والتّنكُّر للأصول، ثم الاهتمام بالحياة المعاصرة وفهم ما تتطلّبُه، والتّقدُّم إليها بعلم نافع، تكتنفه شمائل حسنة، يصحبه عمل جاد هادف مخطَّط؛ زرعًا للأمل في النّفوس، لتثق بإمكاناتها، فتتحرَّك لتنشط وتعمل وتعمر وتنتج، ومحاربة اليأس الذي يقهر الشّباب، ويحطِّم جانب الفعاليّة والحيويّة فيهم، وتوجيهًا للطَّاقات للاستثمار الحسن، والاستفادة الجيِّدة.

ثم مراعاة طبيعة الشّباب التّكوينيّة، والتّعامل معهم بوعي وكياسة وحذق؛ تجنُّبَا للتّجنِّي عليهم، فينفرون من المجتمع، فيخسرهم بعد ذلك، فإنِّ للشَّباب نزواتٍ وهَنَات، يمكن التّعديل منها بحسن التّصرف في حكمة وأناة، وتصريفها إلى الأحسن في السّلوك، مع العمل على زرع المحبَّة والودِّ بين الشَّباب؛ فبهما ترتبط القلوب، ويتمُّ الاتِّحاد، فإذا تَمَّ العمل في ظلِّ المحبَّة والاتِّحاد حصل الخير الكثير، ونتج الفضل الكبير.

في هذا المعنى، وبهذه الرّوح يقول الشّيخ حمّو فخّار، مخاطبًا الكبار؛ راجيًا منهم مراعاة الصّغار: " … ثمّ اسمحوا سادتي الشّيوخ المحتفلين! بدوركم أن أدعوكم في هذه المناسبة السّعيدة، إلى مزيد من تكريم أبنائكم الشّباب، وإن كنتم قد فعلتم وأحسنتم وأجملتم، وذلك بأن تغضّوا الطّرف عن نقدهم، ولو كان جارحًا، وتحترموا تطلّعهم للاستيلاء والتّصدّر، ولو كان جامحًا؛ لأنّهم في عهد الفورة والثّورة والسّورة، فلطالما جروا مع العشّاق في حلبة الهوى، ونهزوا مع الغواة بدلوهم.

(1) - آثار محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الثّالث، ص: 355، 356.

٢٥ / ٤٢