سلسلة من فكر العلماء العاملين (4): الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢٩

الصّحيح، لذا نجد الشّيخ الإبراهيمي في هذا التّوجيه يركز على جانب القوَّة في التّكوين، مادام ينتظر من الشّباب أن يكونوا رجال الغد، وجنود الأمّة، وأبطال الحمى، وحماة المجتمع، وحرَّاس القيم، وبناة المجد … ، فكان في هذا النِّداء يطلب من الشَّباب أن يرتقي إلى مصافِّ الأبطال، وأن ينظر إلى السَّماء وهو يتحرَّك، ولا يلتصق نظره بالأرض فيخلد إليها، يجب أن يتعلَّق بالثُّريَّا، وينأى عن الثَّرى. لا يكون من الضّعفاء والمهازيل، بل يكون من الأبطال والبهاليل، لا يتعلَّق في مطالبه بالتَّمنِّي، بل يأخذ الدّنيا غلابا.

يريد من الشَّباب أن يسايروا العصر، ويكونوا أوفيّاء له، ولا يكونوا غرباء فيه وعليه. يطلب منهم أن يواكبوا الجديد، ويتطلَّعوا إلى التّحسين والتّطوير. ينشد فيهم القوّة في التّحرّك، والجدَّ في العمل، والطُّموح في الآمال … ، يطلب فيهم كلّ العناصر القويَّة التي تبني منهم مغاوير وأشاوس وصِيدًا، ورجالا أقويّاء صناديد، تقوم على أكتافهم الأمّة، وتُناط بكواهلهم الأعباء الثَّقال، وتلقى على ظهورهم الأحمال.

إنّ التكوُّن الصَّحيح يبدأ من الدِّين وبالتحديد من القرآن؛ لذا وجّه الشِّيخ الإبراهيمي نظر الشِّباب إلى هذا الجانب: " أي شباب الإسلام! إنّ الأوطان تجمع الأبدان، وإنّ اللُّغات تجمع الألسنة، وإنَّما الذي يجمع الأرواح ويؤلِّفها، ويصل نكرات القلوب فيعرِّفها هو الدِّين. فلا تلتمسوا الوحدة في الآفاق الضّيِّقة، ولكن التمسوها في الدِّين، والتمسوها في القرآن، تجدوا الأفق أوسع، والدَّار أجمع، والعديد أكثر، والقوى أوفر."(1)

استغلَّ الشّيخ البشير الإبراهيمي حدث إضراب طلبة الجزائر الزّيتونيّين في تونس؛ احتجاجا على الأوضاع التّعليميّة المترديّة؛ بسبب الجمود والقعود عن التّطوير والتّجديد، والأخذ بالأسباب المعينة على التّقدّم، والإفادة من العلم الجديد … ، استغلَّ هذه الفرصة ليقدِّم ملاحظات وانطباعات وتوجيهات لهؤلاء الطّلبة الشّباب، تدخل في إطار الإعداد والتّشييد، والبناء والتّوجيه السّديد(2)

بدأها بشكر هؤلاء الطّلبة الذين عبَّروا عمّا يشعر به من الضّيق من السَّير غير السّوي الذي أبداه من قبله، ممّن انتقد طرقهم في تربية الشّباب، ومناهج تعليمهم النّاشئةَ – وقد ذكرنا طرفًا من ذلك في الصّفحات السّايقة -، كما صوّروا ما يحسّ به من الضّجر من حال الجمود التي يمرُّ بها المجتمع، فجاء الإضراب ليحرِّك ويهيج أشجانا في صدر الشِّيخ الإبراهيمي، فاغتنمها فرصة ليقول وينبّه ويوجِّه، ويوصي ويرشد ويسدّد ..

قال: " … وكأنَّ أبناءنا الزّيتونيّين - نصرهم الله ونضَّر وجوههم – أرادوا بثورتهم الحاضرة أن يختصروا هذه الفترة المنافقة، وأن يقرِّبوا منَّا الزَّمن الصَّالح لنشر هذه الآراء، وإنّ لهذا الأمر لعاقبةً، هذا نذيرها، فإذا لم نقدم عليها طائعين أرغمنا عليها مكرهين.

ونحن - حين نشكر أبناءنا – نرى أنَّ شطر الشّكر يرجع إلى هذا التَّقريب الذي نخرج به من تبعة كتمان الحقِّ،

(1) - محمد البشير الإبراهيمي، آثار الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الأول، الطبعة الأولى، الشّركة الوطنيّة للنشر والتّوزيع، الجزائر، 1398هـ/ 1978م، ص: 93.

(2) - المقال بعنوان: " المقال بعنوان: "إضراب الطّلبة الزيتونيّن"، جريدة البصائر، ع: 118، يوم: 01/ 05/ 1950، ينظر كتاب: عيون البصائر، ص: 449 – 454.

٢٩ / ٤٢