الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣١السّبيل .. فدوموا ورابطوا وشدّوا على هذا الرّباط، فهو الذي يصلكم بالمجتمع في القيام بشؤونه ..
إنّ في طيّي الشّكر تكمن الدّعوة إلى القيام بالواجب .. فلا ننسى أنّ من قدّم شكرًا لشخص، فإنّما يحمّله مسؤوليّة الالتزام بالخطّ الذي كان الدّافع إلى شكره وتقديره ..
3 ــــــــ هذه الإشارة إلى ما قام به الطّلبة كشفت عن ذكاء الشّيخ البشير الإبراهيمي في الإرشاد والتّوجيه والتّكليف … فيها استغلال للموقف المشرّف، وتوجيهه الشّباب لحسن التّصرّف، الذي يجب أن يبقى في حدود المعقول والمقبول في السّلوك الحضاري الحكيم، الذي يبني ويشيّد ويؤسّس .. أي كأنّي بالكاتب المربّي المعلّم يقول للطّلبة المضربين يجب أن يكون إضرابكم – وأيّ عمل تقومون به – مرسومًا ومخطّطًا وهادفًا لغرض نبيل، يرمي إلى الإصلاح والتّحسين والتّطوير .. وغير ذلك من المعاني التي يمكن استخراجها من هذا الشّكر والتّقدير للطّلبة. بدليل أنّ الكلمة التي وجّهها الشّيخ الإبراهيمي للطّلبة المضربين - يشكرهم فيها على فعلهم،- أحاطها وسيّجها وذيّلها بنصائح مهمّة، تدعو إلى الاعتدال والتّحلّي بالخلال التي تبني شخصيّتهم: كالقوّة والشّحاعة والإرادة والتّحدّي والمثابرة والمبادرة والمواصلة ....
عدَّ الشّيخ البشير الإبراهيمي ما قدّمه الطّلبة في هذا الموقف والمشهد هبة من نفحات الأجداد، طاف طائفها بنفوس الشَّباب المتعلّم فنهضت لتذكِّر بقوّة الأصل الذي ينتمون إليه. فكان في هذا الفعل إحياءٌ للأمجاد وردٌّ للأمور إلى نصابها، وفيه رسالة أخرى موجَّهة إلى بقيّة الشباب: أن هكذا فافعلوا، وهكذا فسيروا … ". أجدَّكم أن العزائم التي قهر أجدادنا الفرس والرُّومان بمثلها قد تمثَّلت من جديد في الشَّباب الزَّيتوني العتيد؟ وأنَّ الإصرار الذي لبس طارقا فأخضع به الجبَّارَيْن: البحر والجبل، قد لابس نفوس أبنائنا الزيتونيِّين كرة أخرى؟ وأن الإيمان الذي صاحب خالدا في اليرموك، وسعدا في القادسيَّة، والمثنَّى في بابل، وعمرا في بلبيس، وعقبة في أفريقيّة، قد خالطت بشاشته قلوب طائفة من أحفادهم."(1)
كم كان للتّوجّه إلى التّاريخ من أثر في هذا التّوجيه والإرشاد! كم كان لاستحضار بعض الخصال التي عرف بها السّلف من تزويد هؤلاء الشّباب الطّلبة بالقيم المعنويّة، التي تشحذ عزائمهم، وتدفع بهم إلى البقاء في هذا المستوى من الأخلاق .. فالشّيخ الإبراهيمي معروف عنه توظيف التّاريخ في التّربيّة؛ وسيلةً للبناء والتّكوين والتّنشئة .. أثر عنه قوله ناعيًا نقص هذه الوسيلة التّربويّة في الموجِّهين قال: " إنّ غفلتنا عن إحياء ذكريّات أمجادنا هي التي أزهقت في الأمّة الإسلاميّة روح التّأسّي، وأفقرتها من الرّجال، وجعلت تاريخ أبنائها خاليًا من المثل العليا."
يقول الشّيخ محمد عليّ دبّوز (ت 1402ه/ 1981م) في هذا الموضوع، مبيّنًا دور التّريخ في التّربيّة: " إنّ التّاريخ أكبر عامل في التّربيّة الخلقيّة، وأقوى سبب يخلق الأخلاق العظيمة في النّفوس. والأخلاق العظيمة هي أساس رقيِّ الإنسان في عقله، وفي جسمه. فهي التي تستتبع كلَّ المزايا، وتقتضي تفوُّقنا في كلِّ النّواحي."(2)
إنَّ الشَّباب حين يستروح أرواح أجداده، ويتمثَّل صفاتهم، ويتملَّى ويتبنّى خصائصهم .. يأتي بالجليل من
(1) - المصدر السّابق، ص: 451.
(2) - محمد علي دبّوز، تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، دار إحياء الكتب العربيّة، عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، 1382هـ 1963م، ص: 14. ينظر مبحث:" التّاريخ والتّربيّة "،كتابنا: مفهوم التّاريخ عند الشّيخ محمد علي دبّوز، ط1، نشر جمعيّة التراث، القرارة، الجزائر، 2011من ص: 28 – 41.