سلسلة من فكر العلماء العاملين (4): الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٣٢

الأعمال، ويحققَّ العالي من البطولات. وفي تسجيل الإبراهيمي لبعض صفات الغابرين الرّائعة، تذكيرٌ بأمجاد، وإقرار بإنجاز، وحثٌّ على المُضيِّ في النهج.

هكذا فليكن الشَّباب. وعلى درب هؤلاء الطَّلبة فليسر الطامحون. هذا ما يقصده الشّيخ بهذه الكلمة التي وجهّها للطَّلبة المضربين عن الدِّراسة، دليلنا على هذا الاستنتاج ما قاله لهم بعد ذلك: "إيه أبناءنا الأعزّاء! أإضراب ما صنعتم أم إطراب؟ لقد أضربتم فأطربتمونا، فللَّه إضراب! كلُّ ما فيه إطراب، فاسكبوا يا أبناءنا! هذه الأغاريد في الآذان العَطِلَة، فقد طال عهدها بسماعها، واضربوا هذه الأمثال الشَّوارد في التَّحدِّي للظّلم والتّعدِّي، فقد استطابا في دياركم، وكذِّبوا الظّانِّين بكم ظَنَّ السّوء، قفد طال ما قالوا عنكم وتفوّلوا …

لله أنتم حيث كنتم، فقد كذّبتم هذه الأقاويل بالفعلة الحاسمة، وأريتمونا مثالا من التّصميم، بعد ما قامت فينا نواعيه، ونموذجا من التّحدِّي بعد ما فقدت منَّا دواعيه، ورمزا من التّحكُّم في التّحكُّم، خابت من قبلكم سواعيه، وعنوانا من الوفاء لزمنكم، قلَّ راعيه، وغاب واعيه."(1)

ثمَّن الشّيخ الإبراهيمي ما قام به الطّلبة، ورآه من أحسن الدّروس التي تسهم في الإعداد والتّكوين وبناء النّفوس. إنّ ذلك ما يجب أن يضعه الشّباب في برامجهم التّكوينيّة: النّزول إلى الميدان، وممارسة العمل بكلِّ واقعيّة: "إنّ الأسابيع التي تقضونها في الإضراب لأجدى عليكم من شهور ينقضين في مقدّمات بلا نتائج، وفي التّقلّب في موات من عقول الأموات.

تلك دروس تغذِّي الذِّهن، ونحن من تغذيّتها للعقل في شك مريب، وهذه دروس تغذي العقل فيعرف الحياة، وتغذِّي الإرادة فتعمل للحياة، وتغذِّي الروح فتفقه سرَّ الحياة، وتغذِّي العقيدة فيتبيَّن كلُّ إنسان واجبه، وتغذِّي العزيمة فينبعث كلّ إنسان إلى تأدية واجبه، وتغذِّي النّفس فتطهر من أدران الخور والفسولة والتّخنُّث والتّردُّد، وإنَّ هذه لجماع الأمراض التي أودت بأمّتكم. "(2)

إذا كان هذا السّلوك يرسّخ العقيدة، وينمِّي العقل، ويغذِّي الرّوح، ويكوِّن الإرادة، ويقوِّي العزيمة، ويطهِّر القلب، ويزكِّي النفس، ويطرد الأخلاق الفاسدة، ويبعد الأدران التي تورِّث الخور والتّخنُّث والتخاذل والتكاسل. وإذا كان هذا النّهج يبعث على فهم الحياة وإدراك أسرارها؛ فتندفع النّفس إلى الانطلاق في العمل لها وفيها بكلِّ حماسة ووعي وكفاية وكياسة … إذا كانت هذه النّتائج مََجنيَّةً من أمثال هذه التّصرّفات فأنعم بها من سلوك، وأكرم بها من عمل.

إنّ تكوين الشّباب على المشاهدات الميدانيّة، والمشاركة العمليّة المباشرة، هو من صميم منهج المصلحين والمربِّين الأكفاء، الذين يَعُون حقيقة التّربية والتّنشئة، ويحذقون طرق الإعداد. فما سجّله الشّيخ البشير الإبراهيمي قرّره زميله في حقل الإصلاح والتّربيّة الشّيخ إبراهيم بيّوض، قال: " أعمل لتكوين شباب عمليٍّ يتعلَّم ليعمل، ويطبِّق في المجتمع ما عرفه، ويعرف بالمشاهدة الكثيرَ مِمَّا يعلمه. لا أرضى من تلميذي أن يقتصر على قراءة دروسه ومطالعتها بين الجدران، وهو مُنْزَوٍ منكمش لا يعرف من الحياة شيئا، أريد من تلاميذي أن يطبِّقوا معلوماتهم في

(1) - عيون البصائر، ص: 451، 452.

(2) - المصدر السابق، ص: 452.

٣٢ / ٤٢